كتبت: مريم محمد خليل
إنها يا صديقي، واحدة من أبشع نوبات الحزن التي قد تعتري قلب المرء منا في أسوأ حالاته، أن تكون صامتًا تمامًا، ولا أقصد هنا ذاك الصمت المعتاد أو الانعزال عن البشر، أو حتى أن تتجنب كل أطراف الحديث مع الآخرين؛ وإنما هناك صمتٌ آخر مختلف للغاية ولا يستطيع أحد أن يتفهمه، إنه ذلك الذي يجعلك تتحدث مع الجميع في كل تفاصيل حياتهم وكأنك إنسانٌ لم يمسه الحزن يومًا، تهتم كثيرًا إلى همومهم وأوجاعهم ومتاعبهم في الحياة، وتهون عليهم وتقدم لهم كل النصح والإرشاد وترجح لكم ذاك الطريق المنير أمامهم، تزيل عنهم كل الأسى والحزن؛ وتمحو معهم آثار الأثقال فوق ظهورهم، لكنك أنت نفسك صامتٌ أمام نفسك، تخشى أن تواجهها حتى لا تخسر شيئًا آخر، تخاف من الهدوء التام الذي يفتح لك بابًا؛ لتخلو بها وحدك، وتفكر في أمر حياتك التي تنهار درجةً تلو الأخري، كل أوجاعك تزداد بداخلك؛ حتى بدت وكأنها حجرًا ضخم لا تستطيع إزالته، رغبتك في الحياة تنعدم رويدًا رويدا حتى تكاد تجزم انك لم تبقى على قيد الحياة، شغفك الذي انتهى تمامًا وهجر منزلك ولم يعد يزورك؛ حتى وتقطعت بينكم كل الأوصال، ولكنك رغم كل هذا العناء مازلت تواصل مهامك اليومية بكل جدارة؛ لأنك تعلم أن الحياة لا تقف ولن تنتظرك حتى تتعافى، تُجبر على الصمت لإيمانك الكامل بأن ما بداخلك لن يستوعبه، ويقدره، ويفهمه أحد إذن فلا جدوى من حديثي ولا مناقشاتي التي تفهم دائمًا بالمعنى الخاطئ، لا جدوى حتى من البكاء والنحيب الذي لن يصدر إلا صدى صوت أنين قلبك المجروح وتكسرات صدرك المهزوم، كل هذا لن يفيد شيئًا؛ بل ستزداد حالتك من السوء إلى الأسوأ، لقد كنت تحتاج إلى تعقيم قلبك بحب أُناس حقيقيون مخلصون، وأن تغلق الباب بوجه الكراهية، والحقد، والمشاعر الزائفة، كان عليك أن تقي نفسك من فيروس اليأس، والإحباط، والملل؛ إنها يا عزيزي، واحدة من أقسى النوبات التي قد تجتاح المرء في العالم بأسره، تخيل أن تكون في خصامٍ طويل مع نفسك وكأنك شخصٌ غريب عنها ولا تربطكم أي علاقة، تفلت كل الخيوط المؤدية إليها وضاعت بينكم كل الطرق.






المزيد
شئ منى لآ يصعد: بقلم:سعاد الصادق
سعادة تغمر القلب
الكنز : بقلم: سعاد الصادق