مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عرفة والتروية والعيد: ثلاث محطات لإعادة توازن النفس

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري (خبير نفسي)

مناسك الحج تُعد تجربةً إنسانيةً فريدة، يتجاوز فيها العبد التعبدَ الظاهري إلى أعماق النفس البشرية؛ فهي رحلةٌ شعوريةٌ وفكرية، يُشكّل فيها الوعيُ الوجداني من جديد. فخلال أيام معدودة، يمرّ الحاج بمحطاتٍ متتابعة، لكلٍّ منها إيقاعُها الخاص وتأثيرُها المباشر على الحالة النفسية والسلوكية.

وأبرز هذه المحطات ثلاث: (يوم التروية، يوم عرفة، ويوم العيد). فإذا كان يوم التروية تهيئةً وتهدئةً، فإن يوم عرفة يومٌ وجدانيٌّ موجّه للتطهير، ويوم العيد تحريرٌ وانطلاقٌ نحو بداية جديدة. وتُسهم هذه الدورة في إعادة توازن الإنسان وتجديد علاقته بذاته وبالعالم من حوله.

1. يوم التروية: الانتقال والتهيئة النفسية (Preparation & Separation)

يوافق يوم التروية الثامن من ذي الحجة، وفيه ينتقل الحجاج من مكة إلى منى استعداداً ليوم عرفة. من منظور علم النفس، تمثل هذه المرحلة عملية “فصل وتهيئة”؛ فالانتقال المكاني يصاحبه انتقال ذهني، إذ ينفصل الإنسان مؤقتاً عن صخب الحياة اليومية ومشتتاتها، ويتجلى أثره النفسي في:

 خفض المثيرات الخارجية: يؤدي الانعزال النسبي في منى إلى تقليل التحفيز الزائد (Overstimulation) على الجهاز العصبي، مما يخفض مستويات القلق والتوتر.

 تعزيز الشعور بالكفاءة الذاتية (Self-Efficacy): الالتزام بالنسك والتنظيم والحركة المحددة يمنح الفرد إحساساً بالسيطرة والقدرة على الإنجاز.

 الاستعداد الذهني: يشبه يوم التروية مرحلة الإحماء الرياضي، إذ يهيئ النفس والعقل للتركيز الكامل في اليوم الأعظم.

2. يوم عرفة: المواجهة والتفريغ الانفعالي (Catharsis)

يوم عرفة هو ذروة الحج وجوهره. الوقوف على صعيد واحد، بزي واحد، وهدف واحد، يخلق حالة نادرة من “الانصهار الجماعي” مصحوبة بفرصة للمواجهة الصادقة مع الذات، وينعكس ذلك على النفس عبر:

 سقوط الأقنعة الاجتماعية: توحيد المظهر والهيئة يقلل من الفوارق الطبقية والاجتماعية، فيشعر الإنسان بذاته الحقيقية دون زيف أو أدوار مصطنعة.

 التنفيس الانفعالي (Catharsis): الدعاء والبكاء والتضرع يمثلان آلية صحية لتفريغ الشحنات الانفعالية والمخاوف المكبوتة، وهو ما تؤكده دراسات علم النفس الإكلينيكي في تقليل أعراض الاكتحاص والاضطراب.

 إعادة بناء المعنى (Re-authoring): تركيز الوعي على الغاية الكبرى يعيد ترتيب أولويات الإنسان، فيقل التشتت وتزداد مشاعر الطمأنينة والرضا الوجودي.

3. يوم العيد: الإغلاق والتحرر وإعادة الاندماج (Cognitive Closure)

مع غروب شمس عرفة تبدأ مرحلة جديدة تمثل “الإغلاق النفسي” للتجربة؛ فالذبح، ورمي الجمار، والحلق، ولبس الثياب الجديدة، كلها طقوس تمنح الدماغ إشارات سلوكية واضحة بانتهاء مرحلة وبداية أخرى:

 تحقيق الإغلاق المعرفي (Cognitive Closure): يحتاج العقل إلى نهاية محددة للمواقف لتقليل اجترار الأفكار السلبية (Rumination)، وطقوس العيد تؤدي هذه الوظيفة بفعالية.

 تعزيز الروابط الاجتماعية: المشاركة في فرحة العيد والتكبير والتهنئة ترفع من إفراز هرمون الأوكسيتوسين (Oxytocin)، مما يقوي الإحساس بالانتماء والدعم الاجتماعي.

 تثبيت الهوية الجديدة: الخروج من الإحرام يرمز نفسياً إلى العبور من مرحلة التطهر إلى مرحلة الحياة المتجددة، فيتشكل تصور جديد للذات أكثر خفة ووضوحاً.

خلاصة:

يوم التروية ينظم النفس، ويوم عرفة يطهرها، ويوم العيد يحررها ويعيدها إلى الحياة بنسخة أكثر اتزاناً. هذه الدورة الثلاثية تمثل نموذجاً علاجياً متكاملاً للتعافي النفسي: (فصل، مواجهة، تحرُّر). ومن هنا نفهم لماذا يصف كثير من الحجاج تجربتهم بأنها “ولادة جديدة”؛ فما يحدث ليس تغييراً في الجغرافيا فحسب، بل تحولاً بنيوياً عميقاً في داخل النفس.