بقلم: خالد محمد شعبان
لو كنت جالسًا في بيتك منشغلًا بأعمالك، وشمَّمت رائحة دخان لا تعرف مصدرها، فهل سوف تتحرك من مكانك وتترك روتينك اليومي المعتاد، من أجل معرفة مصدر الدخان؟ أم أنك سوف تبقى في مكانك وتتجاهل الرائحة آملًا في أنها ليست بسبب شيء خطير؟!
إن كنت تتعجب من الخيار الثاني، فهذا ما تفعله كل يوم مع نفسك وجسدك بعمد وبدون أي تردد، حين يرسل لك عقلك إشارة بوجود دخان على شكل أزمة نفسية أو ألم أو علامة حيوية جسدية تدل على مشكلة لا تعلم سببها، ورغم أن الخيار المنطقي هنا هو التحرك ومحاولة فهم سبب ما يحدث ومصدره لعلاجه، إلا أنك أحيانا تختار أن تتجاهل الأمر آملًا في أنه ليس بالشيء الخطير.
ومن هنا تبدأ معظم الأزمات التي قد تسبب مشكلات كبيرة لك أو لمن حولك، فتجاهل الإنذار المبكر من أشهر الأخطاء البشرية التي تسببت في كوارث على مدار التاريخ، مثل كارثة تشيرنوبل التي نتجت عن سلسلة من الأخطاء البشرية الصغيرة، التي كان من ضمنها تجاهل بعض العلامات المبكرة على الكارثة، لكن ما الذي يجعل بعض الناس تختار تجاهل الإنذار متعمدة؟
الجواب في الحقيقة هو الخوف من مواجهة الحقيقة وعاقبتها، فبعض الفقراء مثلًا لو أصابه ألم في جسده، لا يخاف من تأثير المرض على جسده، بقدر ما يخاف من تكلفة علاجه على أسرته، فيختار الصمت وتحمل الألم على فرض تكلفة العلاج على أسرته.
أو حين يكون هناك شاب يسعى للزواج ويعمل ليلًا نهارًا ويجد في نفسه الاحساس بالغربة والاكتئاب، لأنه لا يدع مجالًا لنفسه ليرفه عنها، بداعي أنه لا يملك رفاهية الوقت، فيتجاهل هذا الإحساس ويأمل في أن العمل سوف ينسيه همومه.
وهنا تكمن المشكلة فالإنذار المبكر الذي يرسله الله تبارك وتعالى لنا، ليس مجرد مشكلة تنغص علينا حياتنا، بل إنه الدخان الذي يسبق الحريق ويحذر منه.
وعلاج أي مشكلة يسهل حين تكون في أولها، في مرحلة الإنذار المبكر، وتجاهل هذا الإنذار في تلك الحالة لا يعتبر تضحيةً بل انتحارًا، لأنك تسمح للحريق أن يبتلعك ويدمر ما حولك.
فالمريض الفقير الذي يتجاهل إشارات المرض الأولى، لكي لا يكلف أسرته ثمن العلاج البسيط، يزداد مرضه سوء وتتكالب عليه الاعراض، حتى يخونه جسده وينهار، وتضطر أسرته للدخول في ديون كبيرة لكي تبقيه حيًا فقط علاوةً على علاجه.
والشاب الذي يعمل بلا توقف من أجل عرسه، تزيد حالته التفسية سوء، مما يزيد الخلافات بينه وبين خطيبته، لتهجره بعد كل تلك السنوات من التعب.
وكلامها سوف يلوم الظروف التي غدرت به، والحق أنه هو من غدر بنفسه حين خانها، وتجاهل الإنذار المبكر سواًء كان نفسيًا أو بدنيًا، فبالرغم من أن مواجهة النفس بالحقيقية صعبة، لكن ما البديل؟ أن نترك النار تحرقنا ونتجاهل الدخان.
إن تكلفة علاج الإنذار المبكر شبه مجانية، فحين تشم رائحة الدخان يجب أن تفصل الحرارة عن الشيء الذي تزيد حراراته إلى حد الاحتراق، أما إذا اشتعلت النار فعلًا فإنها لن تُتّلف ما اشتعلت فيه وحسب، بل سوف تمتد إلى منزلك بالكامل، وحينا سوف تدفع ثمنًا غاليًا لكي تصلح الأضرار وبعضها لن يعود كما كان أبدًا.
لذا إن شممت رائحة دخان من بيتك أو نفسك أو جسدك فلا تتجاهلها وتحرك فورًا لإنقاذ روحك.






المزيد
عرفة والتروية والعيد: ثلاث محطات لإعادة توازن النفس
كيف تنعكس أفلام القتل على الواقع؟
أزمة المرور: هل الحل في الخرسانة أم في الإدارة والتدفق؟