بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)
ليس غريباً أن ينحدر الفن حين تنحدر أحوال الناس؛ فالفن في النهاية ليس كائناً معلقاً في السماء، بل ابنٌ مباشر للبيئة التي وُلد فيها. وحين يضيق العيش، وتثقل الحياة على الناس، ويتحوّل الإنسان إلى كائن يطارد النجاة أكثر مما يطارد المعنى، فإن أثر ذلك لا يظهر في الأسواق والشوارع فقط، بل يظهر كذلك في الروايات، والأفلام، والأغاني، وحتى طريقة الكلام نفسها.
ولعل أكثر ما يغفل عنه الناس أن أغلب الكتّاب أصلاً ليسوا أبناء طبقات مترفة، بل خرجوا من البيئات الشعبية والطبقات المتوسطة والفقيرة؛ إنهم أبناء الحارات الضيقة، والمقاهي القديمة، والشقق الصغيرة، والوظائف المرهقة، والأحلام المؤجلة. ولهذا كان طبيعياً أن يكتبوا عما يعرفونه.
جغرافيا الكتابة: سر خلود النص الشعبي
الكاتب الحقيقي لا يكتب غالباً عن الأماكن التي زارها يومين، بل عن العالم الذي سكنه طويلاً وسكنه ذلك العالم بدوره؛ يكتب عن الشوارع التي حفظ أسماءها، وعن البشر الذين فهم خوفهم، وغضبهم، ولهجاتهم، ونظراتهم.
وحين فعل ذلك… نجح؛ نجح لأن الناس شعرت بالصدق، وشعرت أن هذا الكاتب لا يتحدث من برج عاجي، بل من قلب التجربة نفسها:
كان يعرف كيف يتحدث الفقير حين يُهان.
كيف يضحك رغم تعبه ومشقته.
كيف يحلم وهو يعلم أن حلمه أبعد من يده.
ولهذا استمر كثير من الكتّاب في هذا الخط؛ ليس عجزاً دائماً كما يتصور البعض، بل لأن هذه المنطقة هي أكثر منطقة يملكون فيها الصدق الكامل.
فخ القشرة: معضلة كتابة “عالم الأثرياء”
أما حين ينتقل بعض المبدعين فجأة لمحاولة كتابة عالم الثراء والطبقات الأرستقراطية، تظهر المشكلة بوضوح؛ إنه يرى القشرة فقط (صالة رياضية فاخرة، سيارة باهظة، علاقة متحررة، أو حفلة صاخبة)، فيظن أنه أمسك بعالم الأغنياء، لكنه في الحقيقة لم يقترب حتى من روحه.
فالروح الأرستقراطية ليست مجرد أموال تُصرف، بل ثقافة كاملة تتكوّن عبر سنوات طويلة، بل أحياناً عبر أجيال. هي طريقة نظر للعالم، طريقة جلوس وحديث واختيار؛ هي ذائقة فنية، ومعمارية، وموسيقية؛ هي معرفة بالتحف، واللوحات، والمدارس الفنية، والتاريخ العائلي، وحتى الصمت هناك له دلالة مختلفة.
لهذا يفشل كثير ممن يكتبون عن هذا العالم؛ لأنهم حديثو عهد به، دخلوه كزائرين لا كأبناء بيئة، فرأوا الأشياء اللامعة فقط، ولم يفهموا المنطق الداخلي للحياة هناك. والشيء بالشيء يُذكر؛ فليس كل من عاش فقيراً قادراً على كتابة الفقراء بصدق، بل من امتلك عين المراقب وقدرة الفهم والتفكيك.
لماذا يخلد الفن الواقعي؟
تبقى الحقيقة الكبرى أن الكاتب يستمر غالباً في الكتابة عما نجح فيه لأنه يعرف أن سر نجاحه كان الصدق لا الزخرفة. فالناس قد تنبهر مؤقتاً بالمظاهر، لكنها لا تتعلق إلا بما يشبهها فعلاً.
ولهذا ظل الجمهور الواسع متعلقاً بالأعمال التي تلامس أوجاعه الحقيقية؛ لأن أغلب هذا الجمهور يعيش القلق نفسه والضيق نفسه والأحلام نفسها. أما الطبقات المترفة، فهي أقل حاجة للهروب عبر الفن؛ لأنها تعيش جانباً من الأحلام التي يطاردها الآخرون أصلاً.
الخلاصة:
يبقى الفن الشعبي والواقعي أكثر التصاقاً بالجماهير، لأنه يُشعرهم أن أحداً ما ما زال يفهمهم وسط هذا العالم القاسي. وربما لهذا يبدو كثير من الفن الحديث فارغاً رغم بريقه؛ لأنه يحاول تقليد حياة لم يفهمها حقاً، بينما القوة الحقيقية للفن كانت دائماً في شيء أبسط بكثير: أن يكتب الإنسان ما يعرفه بصدق، لا ما يظن أنه يبدو أكثر لمعاناً.






المزيد
تكلفة الإنذار المبكر
عرفة والتروية والعيد: ثلاث محطات لإعادة توازن النفس
كيف تنعكس أفلام القتل على الواقع؟