بقلم: وليد عاطف
حين يصبح الصوت مسؤولية.. انتخابات اتحاد الناشرين المصريين بين تكرار المشهد وصناعة المستقبل.
في كل دورة انتخابية داخل اتحاد الناشرين المصريين، تعود نفس الأسئلة لتفرض نفسها بقوة:
هل ستتغير الأوضاع فعلًا؟
هل سيشعر الناشر بأن هناك من يمثله ويحمل همومه؟
وهل ستتحول الانتخابات من مجرد منافسة على المقاعد إلى فرصة حقيقية لإنقاذ صناعة تواجه تحديات متزايدة كل يوم؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أن صناعة النشر في مصر تمر بمرحلة شديدة الصعوبة، ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية وارتفاع التكاليف، ولكن أيضًا بسبب التغيرات السريعة التي يشهدها العالم كله في مجالات التسويق والتكنولوچيا، وصناعة المحتوى، وطرق الوصول إلى القارئ.
وأمام كل هذه التحديات، أصبح دور اتحاد الناشرين المصريين أكبر من أي وقت مضى.
فلم يعُد المطلوب مجرد إدارة شكلية للمشهد، أو الاكتفاء بالظهور في المناسبات الرسمية، بل أصبح المطلوب كيانًا قويًا يشعر به الناشر وقت الأزمات قبل أوقات الاحتفال، ويدافع عن حقوقه، ويبحث عن حلول حقيقية لمشكلاته اليومية.
لكن الواقع يقول إن قطاعًا كبيرًا من الناشرين بات يشعر بوجود فجوة حقيقية بينه وبين الاتحاد.
فالكثيرون لا يشعرون بأن صوتهم يَصِل، ولا يجدون مَن يتحدث باسمهم بوضوح، خاصة الدور الصغيرة والمتوسطة والشبابية التي تواجه ضغوطًا هائلة في الاستمرار داخل سوق أصبح أكثر صعوبة وتعقيدًا.
فاليوم، الناشر لا يُعاني من أزمة واحدة، بل من سلسلة أزمات متراكمة:
ارتفاع أسعار الورق والطباعة والخامات.
زيادة تكاليف المشاركة في المعارض.
ضعف آليات التوزيع.
المنافسة غير العادلة أحيانًا.
الحاجة إلى مواكبة التطور الرقمي.
ضعف الدعم الحقيقي للمشروعات الجديدة والشبابية.
غياب بعض الخدمات التي يجب أن يقدمها أي اتحاد قوي لأعضائه.
ورغم ذلك، ما زال الكثير من النقاشات الانتخابية تدور حول الأشخاص أكثر مِن الأفكار، وحول الأسماء أكثر مِن البرامج، وكأن الهدف هو الفوز بالمقعد، لا الفوز بثقة الناشرين وقدرتهم على صناعة تغيير حقيقي.
ولهذا، فإن انتخابات اتحاد الناشرين المصريين هذه المرة يجب أن تكون مختلفة، يجب أن تكون لحظة مراجعة حقيقية، ليس فقط للمرشحين، بل لطريقة الاختيار نفسها؛
فالاختيار لم يعُد رفاهية أو مجاملة أو تصويتًا قائمًا على العلاقات الشخصية؛ لأن نتائج هذا الاختيار ستؤثر على مستقبل المهنة بأكملها لسنوات قادمة.
وكل صوت داخل الجمعية العمومية أصبح مسؤولية حقيقية؛ لأن الناشرين اليوم لا يحتاجون إلى الوعود بقدر احتياجهم إلى مَن يمتلك القدرة على التنفيذ والعمل.
إن المرحلة القادمة تحتاج إلى أشخاص يفهمون حجم الأزمة، ويملكون الشجاعة لمواجهتها، وليس فقط الحديث عنها.
تحتاج إلى من يؤمن بأن الاتحاد يجب أن يكون بيتًا حقيقيًا لكل الناشرين، لا لفئة محددة أو أسماء بعينها، كما تحتاج المرحلة الحالية إلى أفكار جديدة تواكب العصر؛ لأن صناعة النشر لم تعُد تعتمد فقط على الطباعة التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بالتسويق الإلكتروني، والتحول الرقمي، وصناعة المحتوى، والتوسع في الأسواق الخارجية، وبناء علاقات قوية مع المؤسسات الثقافية والإعلامية.
ومِن هُنا تظهر أهمية وجود كوادر تمتلك عقلية التطوير، وتؤمن بأن الحفاظ على الكيان لا يعني الجمود، بل يعني القدرة على التغيير والتحديث والاستماع إلى الجميع، ولا يمكن الحديث عن مستقبل الاتحاد دون الحديث عن أهمية تمثيل الشباب والدور الحديثة داخل المشهد الانتخابي.
فهؤلاء ليسوا مجرد أسماء جديدة، بل يمثلون جيلًا كاملًا يريد أن يكون له صوت، ويرفض أن يبقى على الهامش، ويؤمن بأن التطوير يبدأ بالمشاركة الفعلية لا بالانتظار.
إن ضخ دماء جديدة داخل أي مؤسسة ليس تهديدًا للاستقرار كما يظن البعض، بل هو الضمان الحقيقي لاستمرار النجاح والتطور، فكُل مؤسسة لا تسمح بظهور أفكار جديدة تتحول مع الوقت إلى كيان يدور في نفس الدائرة دون تقدم حقيقي.
ولذلك، فإن الناشرين اليوم أمام مسؤولية كبيرة؛ لأنهم لا يختارون أشخاصًا فقط، بل يختارون شكل المرحلة القادمة بالكامل.
يختارون بين استمرار نفس المشهد بكل أزماته، أو محاولة صناعة واقع أفضل قائم على العمل والتطوير والعدالة، إن اختيار الأمثل لا يعني اختيار الأعلى صوتًا، ولا الأكثر ظهورًا، بل اختيار من يمتلك رؤية حقيقية، وخطة قابلة للتنفيذ، وقدرة على التواصل مع الجميع دون تفرقة، اختيار مَن يرى أن قوة الاتحاد الحقيقية ليست في المكاتب أو المناصب، بل في ثقة الناشرين أنفسهم، واختيار مَن يُدرك أن احترام الناشر يبدأ من الاستماع إليه، والشعور بمشكلاته، والعمل الجاد من أجلها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن أي اتحاد لا يتطور بأعضائه وأفكاره؛ يفقد مع الوقت قدرته على التأثير.
وأن صناعة النشر في مصر تستحق اليوم مرحلة جديدة أكثر قوة ووعيًا وعدالة.
لذلك، فإن الصوت الانتخابي هذه المرة يجب ألا يكون مجرد إجراء عابر، بل موقفًا حقيقيًا من أجل مستقبل المهنة؛ لأن الاختيار الصحيح لا يصنع مجلسًا فقط..
بل يصنع مستقبل اتحاد كامل.
وحين يصبح الصوت مسؤولية؛ يصبح اختيار الأمثل واجبًا لا يحتمل المجاملة.






المزيد
فلسفة الصدق الفني: لماذا يفشل المبدع حين يغترب عن بيئته؟
تكلفة الإنذار المبكر
عرفة والتروية والعيد: ثلاث محطات لإعادة توازن النفس