مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ليبيا… رواية تُكتب من جديد

بقلم/ وهيبة جمال عبد الكريم

حين زرت ليبيا مؤخراً، استوقفتني عبارة عميقة رأيتها تتكرر بوضوح على لافتات ممتدة في أكثر من مدينة: “ليبيا، رواية تُكتب من جديد”.

لم تكن تلك الجملة مجرد عبارة دعائية عابرة خطتها يد عابثة، بل كانت صرخة أمل حقيقية حُملت بين كلماتها الكثير من الأمنيات، وكأنها تخاطب بلطف كل من عرف ليبيا يوماً في عزّها، وكل من يؤمن يقيناً بأن هذا البلد المعطاء قادر على النهوض مجدداً من بين الرماد.

أولاً: ذاكرة وطنٍ ثانٍ واستقرار غابر

تسللت بي الذاكرة فوراً إلى سنوات سبقت الثورة، حين زرت هذا البلد الجميل المضياف لأول مرة في حياتي. كانت ليبيا آنذاك تنعم باستقرار اجتماعي واقتصادي جعل تفاصيل الحياة اليومية أكثر بساطة وطمأنينة، وكانت ملامح الأمن والأمان واضحة وجلية في عيون العابرين.

كانت البلاد يومها وجهةً مفضلة يقصدها الباحثون عن العمل والعيش الكريم من مختلف الدول العربية ومن خارجها، حتى غدت بمثابة ملتقى حي لثقافات وجنسيات متعددة، يجمعها سقف إنساني واحد هو التقدير والتعايش.

وكان الشعب الليبي، في تجربتي الخاصة وما رأيته بعيني وعايشته، يستقبل الوافدين بقلوب رحبة وبيوت مفتوحة، فلا يشعر الغريب بينهم أبداً بأنه غريب أو منبوذ.

ثانياً: دفء المعاملة وكرم أصيل

وأنا ككاتبة جزائرية، لم أشعر يوماً طوال فترة إقامتي وتنقلي بأنني خارج حدود وطني الأم؛ بل أحسست بصدق أنني في بلدٍ ثانٍ يحتضنني بحنان كما يحتضن أبناءه البررة. لم أجد تكلّفاً أو تصنعاً في المعاملة اليومية، ولا حواجز مصطنعة تفصل بين المواطن والمقيم، بل وجدت بساطة مطلقة في التعامل، وصدقاً متناهياً في المودة، وحسن معاشرة يترك أثره الطيب في عمق النفس حتى بعد مرور سنوات طويلة.

لقد كان كثير من الليبيين يعيشون في رغد وأوضاع مادية مريحة، ينعمون بخيرات بلدهم الوفيرة، ويقاسمون بوعي وسخاء جانباً منها من جاء يسعى وراء الرزق الحلال. كانوا يؤجرون بيوتهم للوافدين بأسعار منصفة، ويفتحون لهم أبواب كسب العيش، ويعاملونهم بما يعكس نبل وكرم الخصال العربية الأصيلة والروح الاجتماعية المتماسكة. لذلك، لم تكن ليبيا بالنسبة لكثيرين مجرد محطة عمل مؤقتة، بل كانت وطناً دافئاً احتضن أحلامهم ومنحهم فرصة ذهبية لبناء مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم.

ثالثاً: المقارنة الحتمية ومواجهة الواقع الجديد

ولهذا السبب تحديداً، عندما عدت إليها مجدداً بعد مرور سنوات من المتغيرات، لم يكن الألم النابت في صدري نابعاً من تغير ملامح العمران أو دمار بعض المباني فحسب، بل كان ناتجاً عن مقارنة حتمية قاسية بين ليبيا التي عرفتها بالأمس مزدهرة آمنة مستقرة، وبين ليبيا التي أنهكتها سنوات طويلة من الانقسام السياسي والصراعات الداخلية.

لكن، ورغم كل الجراح العميقة وما تغير على الأرض، بقي هناك بريق قادم من بعيد يدعو إلى التفاؤل والتمسك بالأمل. وأنا أتنقل هذه المرة بين المدن والبلدات، لم أكن أرى المباني المتضررة والطرقات الوعرة فقط، بل كنت أقرأ بوضوح في وجوه الناس وملامح الشباب رغبة صادقة وقوية في أن تُطوى صفحات الألم المظلمة نهائياً، وأن تبدأ البلاد فصلاً جديداً مشرقاً يليق بتاريخها العريق وإمكاناتها الهائلة.

رابعاً: الثروة الحقيقية والإرادة المنتظرة

إن ليبيا لم تكن يوماً بلداً فقيراً في موارده، ولا عاجزة بأي حال من الأحوال عن استعادة مكانتها الإقليمية والدولية؛ وإنما هي وطن عظيم يستحق أن يجتمع أبناؤه على كلمة واحدة وصادقة، وأن يجعلوا من تنوعهم واختلافاتهم مصدر قوة وثراء، لا سبباً للتشرذم والفرقة.

فما تمتلكه هذه الأرض من ثروات طبيعية هائلة، وموقع استراتيجي فريد يربط القارات، وإرث حضاري وتاريخي ضارب في القدم، كفيل بأن يجعلها في مصاف الدول الأكثر ازدهاراً ونماءً على مستوى العالم، بمجرد أن يستتب الأمن الشامل وتتوافر الإرادة الوطنية المخلصة.

خامساً: أمنية زائرة محبة

وأنا أخط هذه السطور، لا أكتبها بصفة محللة سياسية تفكك الأرقام والمعطيات الجافة، بل أكتبها بصفة زائرة محبة عشقت ليبيا وأهلها بصدق، وتألمت بعمق لما أصابهم من ضر، وفرحت فرحاً غامراً بكل بادرة تلوح في الأفق لتبعث على التفاؤل والنهوض.

وأنا أغادر منافذ ليبيا، حملت في حقيبتي الوجدانية أمنية واحدة ملحة: أن يأتي يوم قريب أعود فيه لأرى هذه الأرض كما عرفتها أول مرة، أو حتى أجمل وأبهى مما عرفتها؛ وطناً آمناً مطمئناً، نابضاً بالحياة البكر، تعود إلى ساحاته الضحكات العفوية، وتمتلئ مدنه وقراه بالاستقرار والسلام، ليستعيد شعبه الطيب حقه الكامل في أن يعيش بسلام ورخاء فوق أرضه المعطاءة التي أنعم الله عليها بخيرات لا تنفد.

خاتمة ورسالة:

إن الروايات التاريخية العظيمة لا تُقاس بعدد صفحات الألم والانكسار المكتوبة فيها، بل بنهاياتها الملحمية التي تنتصر فيها إرادة الحياة والنهوض على كل من حاول هدمها وهزيمتها. ولعل أجمل الروايات الإنسانية ليست تلك التي عاشت في سلام دائم ولم تعرف المعاناة قط، بل تلك التي استطاعت بقوة وعزم أن تجعل من الألم والمعاناة نقطة انطلاق وبداية حقيقية لنهضة حضارية جديدة.

ولعل عبارة “ليبيا، رواية تُكتب من جديد” لن تبقى طويلاً مجرد حبر على لافتة معلقة في الشوارع، بل ستتحول قريباً جداً لتصبح عنواناً لواقع ملموس يعيشه كل مواطن ليبي، ويقرأ تفاصيله العالم بأكمله بإعجاب وتقدير؛ واقع يكتب فصوله أبناء ليبيا المخلصون بإرادتهم الحرة، ووحدتهم الراسخة، وإيمانهم المطلق بأن الأوطان ــ مهما تعثرت في سيرها ــ قادرة دائماً على البدء من جديد.