بقلم: عبدالله شاهين
العقل ليس حارساً مطلقاً، بل هو أداة مأمورة؛ يطفئ الله سراج فطنتك عمدًا، لتمرَّ المشيئة النافذة من فوق حذرك الذي ظننته حصناً منيعًا، فإذا استقرَّ المكتوب واكتمل، أعاد إليك بصيرتك لتقف مذهولًا أمام جلال التدبير وتتساءل: أين كان عقلي؟
لقد كان عقلك وقتها في يد خالقه، ليمضي فيك قدرٌ لا تملك دفعه ولا التأخر عنه…
أولاً: سرّ ذلك الغياب
هل تأمّلت يومًا كيف تفلت منك الحكمة والتوازن في لحظةٍ كنتَ فيها أحوج ما تكون إليها؟
توقّع أحدهم أنك ستنتبه، وتوقعتَ أنت من نفسك تمام اليقظة، فإذا بك تمرّ بذهول من جانب الحفرة التي حذّرك منها كل شيء إلا عقلك! وكأنّ فطنتك التي عرفتها طوال العمر استعارها منك أحدٌ آخر في تلك اللحظة بالذات.
هذه ليست غفلة عابرة نُفسّرها بالتعب أو النسيان، إنها في عمقها إشارة حاسمة إلى حقيقة أعمق: أن العقل، مهما بلغ من رجاحته، ليس سيدَ نفسه؛ إنه أداة مأمورة تعمل حين يُؤذن لها، وتغيب حين تقتضي الحكمة غيابها. فالعقل حارسٌ استُؤجر، لا مالكٌ للدار.
ثانياً: حين يُطفأ السراج
تخيّل سراجًا يضيء طريقك كل ليلة، فتثق به حتى تنسى أنه مِلكٌ لغيرك، ثم تأتي ليلة، فينطفئ السراج فجأة دون سببٍ ظاهر، فتتعثر بما كنت تراه بوضوح لو كان السراج مضاءً.
تلك هي صورة العقل حين يُراد له أن يغيب: ليست خيانة منه، بل أمرٌ صدر إليه فأطاع. ومن يملك زمام الأمور لا يستأذن العقل حين يقرر إطفاء سراجه؛ فالإرادة الكبرى تمشي فوق كل حذرٍ ظننته حصنًا، وتخترق كل حسابٍ ظننته دقيقًا. لأن الحصون البشرية مهما تحصّنت لا تقارَن بإرادةٍ لا رادّ لها.
وحين يمر القدر من فوق يقظتك، لا يعني ذلك أنك كنت غافلاً بالمعنى المذموم، بل أنك كنت في موضع التنفيذ لا موضع الاختيار…
ثم يأتي الأعجب؛ بعد أن يستقر المكتوب، وتتضح آثاره، تعود إليك بصيرتك كاملة كأنها لم تغب! وهنا المفارقة المؤلمة الجميلة: تقف أمام النتيجة، بكل وضوح عقلك المستعاد، فتتساءل بذهول: “كيف فاتني هذا؟ كيف لم أرَ ما هو بديهي الآن أمامي؟”
هذا السؤال “أين كان عقلي؟” ليس اتهامًا لنفسك بالتقصير، بل هو باب تعرفُ منه على استحياء أن هناك يدًا غير يدك كانت تُدبّر المشهد. فحين تعجز عن تفسير غفلتك بأسباب منطقية، تدرك أن التفسير ليس في دائرة الأسباب أصلاً، بل في دائرة القدر.
ثالثاً: الوقوف أمام جلال التدبير
في هذه اللحظة بالذات، حين يجتمع الذهول بالوضوح، يتولّد شعورٌ لا يشبه الندم، بل أقرب إلى الرهبة الممزوجة بالسكينة. فأنت لا تقف أمام خطأ ارتكبته، بل أمام تدبيرٍ أعظم من أن يُدرك بالحساب البشري.
تشعر بصغر عقلك أمام عظمة من صمّمه، وتدرك أن أعقل الناس قد يُساق في لحظةٍ إلى ما لم يخطر له؛ لا لأنه أحمق، بل لأن هناك قدرًا كان يتحرك خلف الستار.
وهذا هو جوهر الإيمان بالقدر: ألا تعيش أسير التحليل العقلي وحده، بل أن تترك مساحة للغيب، وتُسلّم بأن ما فاتك إدراكه ليس دائمًا تقصيرًا منك، بل قد يكون هو نفسه القدر الذي أراد الله له أن يمضي…
خاتمة ورسالة: العقل الأمين لا العقل الرب
حين تفهم أن عقلك مأمورٌ لا حاكم، لا يعني ذلك أن تُهمله أو تتّكل على الغيب وتترك الأخذ بالأسباب؛ فالعقل نعمةٌ عظيمة أُمرنا بإعمالها والاجتهاد في استخدامها.
لكن الفهم الصحيح يمنحك طمأنينة عجيبة: فحين تخطئ رغم حرصك، لا تُغرق نفسك في جلد الذات، بل تتذكر أن هناك حكمةً أكبر من حكمتك، وقدرةً أعلى من قدرتك على الحساب.
فإذا سألتَ نفسك يومًا: “أين كان عقلي؟” فلتكن الإجابة سكينة لا حسرة: كان عقلي حيث أراده خالقه أن يكون، ليمضي فيّ قدرٌ لم أكن لأدفعه، ولو ملكت كل عقول الدنيا.






المزيد
السم في العسل: ملامح الشخصية المؤذية وأساليب التعامل معها
ماذا لو كنت أنت حامل اللقب في يوم؟
التفاؤل فنّ تحسين الحياة والمشاعر بعيداً عن التشاؤم