الأشياء التي لا نسمح لأنفسنا أن نشعر
بقلم الكاتب هاني الميهي
الفصل الخامس: بها
لم يكن يعرف متى بدأ يتعب.
وهذه، في حد ذاتها، كانت علامة.
لو سأله أحدهم:
«متى بدأت تشعر بأنك لست بخير؟»
فلن يجد تاريخًا.
لن يستطيع أن يقول: يوم الثلاثاء.
أو بعد ذلك الخبر.
أو بعد تلك الخسارة.
أو منذ ذلك الموقف.
كل ما يعرفه أنه استيقظ في صباح ما، ووجد نفسه مختلفًا.
أثقل قليلًا.
أكثر صمتًا.
أقل رغبة في الكلام.
وأسرع انزعاجًا من أشياء كانت تمر عليه بسهولة.
لكنه لم يتوقف.
لم يكن لديه وقت.
ذهب إلى العمل.
عاد.
رد على الرسائل.
أنجز ما عليه.
تحدث مع الناس.
تابع الأخبار.
شاهد شيئًا قبل النوم.
ثم نام.
وفي اليوم التالي أعاد كل شيء.
كان يظن أنه يعيش.
لكن الحقيقة أنه كان يؤجل نفسه.
هناك أشياء لا تختفي لأننا لم نتحدث عنها.
الحزن لا ينتهي لأننا انشغلنا.
والغضب لا يختفي لأننا ابتسمنا.
والفقد لا يصبح أقل حقيقة لأننا عدنا إلى العمل في اليوم التالي.
بعض المشاعر لا تطلب منا أن نحلها.
تطلب فقط أن نعترف بأنها موجودة.
لكننا أحيانًا نخاف من ذلك.
نخاف أن نفتح الباب.
لأننا لا نعرف ماذا سيخرج منه.
فنختار الحل الأسهل:
نشغل أنفسنا.
كلما اقترب الحزن، ذهبنا إلى الهاتف.
كلما شعرت النفس بالفراغ، فتحنا الأخبار.
كلما ظهر سؤال مؤلم، بحثنا عن شيء آخر.
كلما هدأ البيت، شغلنا التلفاز.
كلما انتهى العمل، بحثنا عن عمل آخر.
حتى يصبح الانشغال ليس مجرد أسلوب حياة…
بل طريقة للهروب من الحياة الداخلية.
كان ذلك واضحًا في ليلة انقطع فيها الإنترنت.
لم يكن هناك شيء استثنائي.
عطل بسيط.
شبكة لا تعمل.
الهاتف موجود، لكنه بلا معنى تقريبًا.
حاول مرة.
ثم مرة أخرى.
لا شيء.
وضع الهاتف على الطاولة.
مشى قليلًا في المنزل.
فتح التلفاز.
لم يجد ما يريد.
أغلقه.
جلس.
للمرة الأولى منذ وقت طويل…
لم يكن هناك شيء يفعله.
مرت خمس دقائق.
ثم عشر.
بدأ يشعر بالضيق.
ليس لأن الإنترنت انقطع.
بل لأن الضجيج انقطع.
وفجأة سمع شيئًا لم يسمعه منذ فترة طويلة.
نفسه.
ظل جالسًا.
نظر إلى المكان.
كل شيء كما هو.
الكرسي.
النافذة.
المصباح.
الطاولة.
لكن شيئًا ما في داخله بدأ يتحرك.
تذكر والدته.
تذكر آخر مكالمة بينهما.
تذكر أنه كان مشغولًا يومها.
قال لها:
«سأتصل بك لاحقًا.»
ولم يتصل.
في اليوم التالي جاء الخبر.
ثم جاءت الجنازة.
ثم جاء الناس.
ثم جاءت الكلمات.
ثم عاد إلى العمل.
قال للجميع:
«الحمد لله.»
وتقبل التعازي.
وبدا قويًا.
بعد أيام قليلة، عاد إلى مكتبه.
لم يبكِ.
لم يتوقف.
لم يسمح لنفسه حتى أن يسأل:
«ماذا حدث لي؟»
مرت السنوات.
وظن أنه تجاوز.
لكن في تلك الليلة، حين اختفى كل شيء من حوله، عادت المكالمة.
بنفس الصوت.
بنفس الجملة.
بنفس الصمت بعدها.
شعر بشيء يضغط على صدره.
خفض رأسه.
وللمرة الأولى…
بكى.
لم يكن يبكي بسبب الإنترنت.
ولا بسبب الوحدة.
كان يبكي على سنوات كاملة لم يسمح لنفسه فيها أن يشعر.
بعض الأحزان لا تختفي.
نحن فقط نضع فوقها أشياء كثيرة.
عملًا.
مسؤوليات.
أطفالًا.
اجتماعات.
سفرًا.
هواتف.
نجاحات.
حتى يعلو كل ذلك فوق الحزن، فنظن أنه انتهى.
لكنه لم ينتهِ.
كان ينتظر.
ينتظر لحظة هدوء.
لحظة لا يوجد فيها شيء آخر.
وهذا ما يخيفنا أحيانًا من الهدوء.
ليس لأن الهدوء مؤلم.
بل لأنه يكشف ما أخفاه الضجيج.
هناك شخص يعمل اثنتي عشرة ساعة يوميًا.
يقول:
«أنا أحب العمل.»
وقد يكون صادقًا.
لكن ربما هناك سؤال آخر:
ماذا يحدث عندما يعود إلى البيت؟
هل يستطيع أن يجلس؟
هل يستطيع أن يبقى وحده؟
هل يستطيع أن ينام دون أن يفتح الهاتف؟
هل يستطيع أن يكون مع نفسه دون أن يحتاج إلى شيء يملأ المكان؟
أحيانًا لا يكون الإنسان عاشقًا للعمل كما يظن.
ربما هو فقط يشعر بالأمان داخله.
في العمل توجد مهام.
المهام لها حلول.
الأرقام يمكن مراجعتها.
المشكلات يمكن التعامل معها.
أما النفس…
فلا تعطيك دائمًا جدولًا زمنيًا.
ولا تقدم لك تقريرًا نهائيًا.
لذلك قد يكون من الأسهل لبعض الناس أن يصلحوا مؤسسة كاملة على أن يجلسوا ساعة مع حزنهم.
وهذا يحدث في الإدارة أيضًا.
قد تجد مديرًا يستطيع التعامل مع أزمة كبيرة.
هادئًا أمام الجميع.
يتخذ القرار.
يوزع المسؤوليات.
يضبط الفريق.
ثم يعود إلى مكتبه ويغلق الباب.
يبقى وحده.
فتنهار الطاقة التي كان يمسك بها طوال اليوم.
ليس لأنه ضعيف.
بل لأنه ظل قويًا مدة طويلة دون أن يسأل نفسه إن كان يحتاج إلى أن يكون قويًا الآن أيضًا.
القوة المستمرة ليست دائمًا قوة.
أحيانًا تكون عدم السماح للنفس بأن تعترف بأنها تعبت.
نحن نمدح الإنسان الذي يتحمل.
وهذا جميل.
لكننا أحيانًا نمدح التحمل حتى يصبح الإنسان خائفًا من التوقف.
نقول له:
«أنت قوي.»
فيبدأ في الاعتقاد أن البكاء يناقض قوته.
«أنت لا تهتز.»
فيخجل من اعترافه بالخوف.
«أنت دائمًا تعرف ماذا تفعل.»
فيخشى أن يقول:
«لا أعرف.»
«أنت سند الجميع.»
فيشعر أنه ممنوع من أن يحتاج إلى سند.
وهكذا قد يتحول المدح إلى قيد دون أن نقصد.
ليست المشكلة في أن تكون قويًا.
المشكلة أن تصبح مضطرًا إلى الظهور قويًا حتى أمام نفسك.
أن تتألم ولا تقول إنك تتألم.
أن تخاف ولا تعترف.
أن تحزن ثم تسخر من حزنك.
أن تفقد شيئًا وتقول:
«عادي.»
أن تنكسر وتستمر في الحديث وكأن شيئًا لم يحدث.
ثم تتساءل بعد سنوات:
«لماذا تغيرت؟»
ربما لأنك قضيت سنوات كاملة تمنع نفسك من أن تكون إنسانًا كاملًا.
فالإنسان ليس عقلًا يعمل.
وليس جسدًا ينفذ.
وليس موظفًا ينجز.
وليس أبًا أو أمًا أو مديرًا أو شريكًا فقط.
هناك شيء في الداخل يحتاج إلى أن يُسمع.
وقد تكون أصعب المشاعر هي تلك التي لا نجد لها اسمًا.
ليست حزنًا كاملًا.
ولا غضبًا كاملًا.
ولا خوفًا واضحًا.
إنها ثقل.
ضيق.
نفاد صبر.
رغبة في الابتعاد.
صمت طويل.
قلة اهتمام بالأشياء التي أحببناها.
استيقاظ دون رغبة.
ثم نقول:
«لا أعرف ماذا بي.»
أحيانًا تعرف النفس.
لكنها لا تعرف كيف تشرح.
فتبدأ في الكلام بطريقة أخرى.
قد يصبح الإنسان سريع الغضب.
وقد ينسحب من الناس.
وقد يفقد تركيزه.
وقد يبالغ في العمل.
وقد يبحث عن أي شيء يشتت انتباهه.
كأن الداخل يقول:
«هناك شيء لم نتعامل معه.»
لكن الإنسان يسمع الرسالة ولا يعرف ترجمتها.
ولهذا فإن بعض السلوكيات التي نلوم أنفسنا عليها قد تكون رسائل.
ليس كل غضب سوء خلق.
وليس كل انسحاب كراهية للناس.
وليس كل انشغال طموحًا.
وليس كل صمت هدوءًا.
أحيانًا يكون السلوك مجرد لغة لمشاعر لم تجد طريقًا آخر للخروج.
لكن هذا لا يعني أن نبرر كل سلوك.
بل أن نفهمه قبل أن نحكم عليه.
أن نسأل:
ما الذي يحدث في الداخل؟
لماذا أصبحت هكذا؟
ما الذي أرفض الاعتراف به؟
متى بدأت؟
ماذا كنت أشعر قبل أن أتصرف بهذه الطريقة؟
هذه الأسئلة لا تحل كل شيء.
لكنها تفتح الباب.
والنفس تحتاج أحيانًا إلى مساحة آمنة لا تحتاج فيها إلى أن تكون شيئًا.
لا تحتاج إلى أن تكون قوية.
ولا ناجحة.
ولا متماسكة.
ولا سعيدة.
يكفي أن تكون صادقة.
أن تقول:
«أنا متعب.»
«أنا حزين.»
«هذا الأمر يؤلمني.»
«ما زلت أفتقده.»
«أنا خائف.»
«لا أعرف ماذا أفعل.»
قد تبدو هذه الجمل بسيطة.
لكنها بالنسبة لبعض الناس أصعب من إنجاز مهمة كبيرة.
لأنهم اعتادوا أن يقدموا للعالم نسخة متماسكة منهم.
حتى نسوا كيف يتحدثون مع أنفسهم دون أقنعة.
والاعتراف بالمشاعر لا يعني الاستسلام لها.
أن تقول إنك حزين لا يعني أن تصبح الحزن.
أن تعترف بالخوف لا يعني أن تتوقف.
أن تبكي لا يعني أنك عاجز.
أن تحتاج إلى أحد لا يعني أنك ضعيف.
المشاعر ليست أوامر.
هي معلومات.
تخبرك أن شيئًا ما يحدث.
ثم يأتي دور العقل والإيمان والخبرة في التعامل معه.
لا نعبد مشاعرنا.
ولا نهرب منها.
نسمعها. ثم نقرر ماذا نفعل بها.
وفي ذلك شيء من الرحمة التي يحتاجها الإنسان مع نفسه.
أن يتوقف عن محاكمة نفسه لأنه لم يكن بخير.
ليس مطلوبًا أن تكون متماسكًا كل يوم.
ولا أن تستقبل كل خسارة بابتسامة.
ولا أن تتجاوز كل شيء بسرعة.
هناك أشياء تحتاج وقتًا.
وهناك أحزان تحتاج إلى أن تُعاش حتى تخف.
وهناك خسارات لا نتجاوزها تمامًا.
بل نتعلم كيف نحمل أثرها بطريقة أقل ألمًا.
والفرق كبير.
بعد تلك الليلة، لم يصبح الرجل شخصًا آخر.
لم تختفِ مشكلاته.
لكن شيئًا تغير.
بدأ يعطي نفسه وقتًا.
حين يحزن، لا يهرب فورًا.
حين يتعب، يعترف.
حين يحتاج إلى الراحة، لا يعتذر.
وحين يجد نفسه يمتلئ بالضجيج، يسأل:
«ماذا أحاول ألا أسمعه؟»
وأحيانًا لا يجد إجابة.
وهذا طبيعي.
لكن مجرد السؤال جعله أقرب إلى نفسه.
ربما نحن لا نحتاج دائمًا إلى مزيد من القوة.
أحيانًا نحتاج إلى مساحة نخلع فيها القوة قليلًا.
أن نجلس دون دور.
دون وظيفة.
دون صورة.
دون جمهور.
دون الحاجة إلى أن نشرح لماذا نحن بخير.
أن نعطي أنفسنا حق الشعور.
لأن ما لا نسمح لأنفسنا أن نشعر به لا يختفي بالضرورة.
قد يتحول.
قد يختبئ.
قد يظهر في نومنا.
في غضبنا.
في علاقتنا بالناس.
في أجسادنا.
في قدرتنا على التركيز.
في رغبتنا في الهروب.
حتى يأتي يوم لا نعرف فيه سبب كل هذا التعب.
مع أن السبب كان معنا منذ سنوات.
كل هذا يحدث في الخارج.
الأخبار تتغير.
الاقتصاد يتغير.
الناس تتغير.
الوظائف تتغير.
العالم يسرع.
لكن في الداخل توجد أشياء أبطأ.
حزن يحتاج وقتًا.
فقد يحتاج اعترافًا.
غضب يحتاج فهمًا.
خوف يحتاج أمانًا.
وقلب يحتاج أحيانًا فقط أن يقول:
«لقد تعبت من التظاهر بأنني لم أتألم.»
وهذه الجملة ليست نهاية القوة.
ربما تكون بدايتها الحقيقية.
رسالة الفصل
لا تخف من أن تشعر.
المشاعر التي تسمح لها بأن تظهر يمكن التعامل معها، أما المشاعر التي تدفنها فقد تظل تعمل في الخفاء.
لا تجعل الانشغال وسيلة دائمة للهروب من نفسك.
ولا تعتبر كل توقف ضعفًا.
أحيانًا تحتاج إلى أن تجلس مع حزنك حتى تعرف كيف تتركه يهدأ.
وأن تعترف بخوفك حتى تستطيع أن تتعامل معه.
وأن تقول إنك لست بخير، قبل أن يتحول الصمت إلى شيء أكبر منك.
فالإنسان لا يتعافى دائمًا عندما ينسى ما حدث؛ أحيانًا يبدأ التعافي حين يسمح لنفسه أخيرًا أن يشعر بما حدث.
تمهيد للفصل السادس
لكن النفس ليست وحدها في هذه الحكاية.
الجسد أيضًا يسمع.
يسمع ما نخفيه.
يتحمل ما نؤجله.
ويحاول أحيانًا أن يقول لنا، بطريقته الخاصة، إن هناك شيئًا في الداخل لم نعد نستطيع تجاهله.
صداع متكرر.
إرهاق.
توتر.
أرق.
تسارع في النبض.
انقباض لا نفهم سببه.
الجسد لا يكتب لنا رسالة بالكلمات…
لكنه قد يرسل إشارات لا يجوز أن نستهين بها.
ومن هنا يبدأ الفصل السادس:
«حين يتكلم الجسد بدلًا منا»






المزيد
لكل شخص لون حُب فما لونك بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
يا قمري الحنون بقلم رحمة محمود حسن
لا تكدر صفو عمرك بقلم د. عبير عبد المجيد الخبيري