بقلم: خالد محمد شعبان
أودّ الحديث عن شغفي الدائم بـ «القصص الغريبة»، وهي تلك الأعمال التي تُصنَّف—خطأً في كثير من الأحيان—على أنها قصص رعب تقليدية. وهو تصنيف يفتقر إلى الدقة؛ إذ إن ثمة فارقاً جوهرياً بين عمل أدبي يهدف لمجرد إثارة الخوف في نفسك، وآخر يستهدف إدهاشك وتفجير فضولك لدفعك نحو التفكير خارج الأطر المألوفة.
سيكولوجية الغرابة: الفضول في مواجهة الخوف
القصص الغريبة هي نمط أدبي فريد يدمج تفاصيل غير واقعية داخل واقعنا اليومي العادي؛ حيث تتقاطع فيه ظلال الفانتازيا مع الخيال العلمي، والرعب الكوني، والغموض الشديد.
ورغم أن هذا المزيج يبدو مرعباً للوهلة الأولى لكونه يعتمد على الصدمة والغموض في جوهر حبكته، إلا أن المحرك الأساسي هنا يختلف تماماً عن أدب الرعب التقليدي:
أدب الرعب التقليدي: يستهدف إبقاء القارئ في حالة مستمرة من التوتر والترقب والقلق طوال فترة القراءة.
أدب الغرائب: يستفز غريزة الاستكشاف والفضول لمعرفة المجهول.
إنك لا تقرأ وأنت ترتعد خوفاً، بل تقرأ وأنت مشدودٌ برغبة جامحة في فهم ما يحدث؛ إنه أدب يخاطب العقل والشغف لا غريزة الخوف المجردة.
وعندما يمتزج الرعب بالغرابة ينشأ أثر سحري؛ إذ يندفع القارئ لمتابعة الأحداث حتى وإن تملّكه الذعر، لأن فضوله في هذه الحالة يتغلب على خوفه. والغرابة هنا لا تقتصر على الشخصيات، بل تتغلغل في الحبكة، والرسالة، والأحداث المحورية، وحتى النهاية.
الكيانات الغامضة مقابل المجرمين
يتجلى هذا الفارق بوضوح عند المقارنة بين قصص السفاحين والمجرمين، وقصص الكيانات الغامضة:
قصص المجرمين: قد تكون مرعبة وموترة، لكنها تجري ضمن حدود الواقع الإنساني وليست “غريبة”.
قصص الكيانات والظواهر المجهولة: ليست بالضرورة مرعبة، لكنها حتماً تخرج عن المألوف وتأسر المخيلة.
فلسفة السكينة والعودة إلى الواقع
وهنا يبرز سؤال فلسفي مهم: لماذا نأنس ونتملك الشعور بالارتياح والسكينة عند الاستماع إلى هذا النوع من القصص؟
الإجابة تكمن في أن الذهن—بشكل غير واعٍ—يقارن واقعه المستقر والآمن بتلك الأحداث العجيبة والمضطربة التي يستحيل وقوعها في عالمنا. حينئذٍ تجد نفسك تتنفس الصعداء وتقول بتلقائية: “الحمد لله، أنا في نعمة”.
إن حياتك العادية التي قد تراها مملة أحياناً، تتحول فجأة—تحت تأثير المقارنة—إلى منحة إلهية كبرى قد يُحرم منها المرء في لحظة. وكلما غصت في قصة أكثر غرابة، اكتشفت كم أن حياتك بسيطة ومألوفة، وأن آلامها طبيعية ومتوقعة.
بل إن هذا الشعور يتجاوز الواقع ليصل إلى تأمل النواميس الكونية الكبرى؛ ففي يوم القيامة عندما تنقلب الموازين ويُبعَث الموتى، ستتغير قوانين الطبيعة بأسرها، وسينتهي كل ما هو مألوف لنرى ما لم تره عين في الدنيا.
من هنا، أحمد الله من كل قلبي على حياتي العادية والآمنة؛ فمهما كانت أحداثها شاقة، فإنها تظل نعمة مألوفة ورحيمة مقارنة بعوالم المجهول والغرائب.






المزيد
الحدود النفسية: كيف تقول “لا” دون الشعور بالذنب؟
من قلب التحدي يولد التميز
آفاق التغيير وبدايات الأمل