مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين أصبحت حياة الآخرين مرآتنا بقلم الكاتب هاني الميهي

كل هذا يحدث في الخارج

حين أصبحت حياة الآخرين مرآتنا
الكاتب هاني الميهي

الفصل الثالث:

فتح هاتفه في الصباح، قبل أن يفتح نافذته.

لم يكن يبحث عن شيء.

هكذا أقنع نفسه.

مجرد دقائق قليلة.

صورة لصديق في مطعم.

شخص آخر أعلن عن وظيفة جديدة.

رجل يعرفه اشترى سيارة.

امرأة تحتفل بنجاحها.

شاب يسافر.

آخر ينشر صورة من مكتبه، وعلى الشاشة خلفه أرقام كبيرة وعبارات عن الإنجاز.

ثم صورة لبيت جديد.

ثم خطوبة.

ثم مشروع.

ثم شهادة.

ثم رحلة.

ثم ابتسامة.

ظل يقلب الشاشة.

لم يشعر بشيء في البداية.

ثم أغلق الهاتف.

ذهب إلى الحمام.

غسل وجهه.

نظر إلى المرآة.

وكان هناك شيء غريب.

لم تتغير ملامحه.

لكن نظرته تغيرت.

قبل عشر دقائق فقط كان يومه عاديًا.

الآن أصبح يشعر أن حياته متأخرة.

لم يحدث له شيء.

لم يخسر وظيفة.

لم ينفصل عن أحد.

لم يفشل في مشروع.

لم يحدث في حياته أي خبر سيئ.

ومع ذلك شعر بأنه أقل من اللازم.

وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة في زمننا:

قد تستيقظ راضيًا عن حياتك…

ثم ترى حياة شخص آخر، فتعود إلى سريرك من الداخل.


لم تكن المقارنة اختراعًا حديثًا.

الإنسان يقارن نفسه بغيره منذ زمن طويل.

ينظر إلى بيت جاره.

إلى عمل صديقه.

إلى نجاح أخيه.

إلى مكانة شخص يعرفه.

لكن المقارنة قديمًا كانت محدودة.

كنت ترى القليل من حياة الآخرين.

أما اليوم، فقد أصبحت ترى نسخة منتقاة من حياة الجميع.

والفرق هائل.

أنت لا ترى الشخص.

ترى ما اختار أن يريك إياه.

لا ترى يومه الكامل.

ترى لحظته الأفضل.

لا ترى خوفه.

ترى ابتسامته.

لا ترى ديونه.

ترى سيارته.

لا ترى خلافاته.

ترى صورة عائلته.

لا ترى لياليه الطويلة.

ترى النتيجة.

ثم تأخذ هذه اللقطة الصغيرة، وتضعها أمام حياتك كاملة.

وهنا تبدأ المقارنة من نقطة غير عادلة.

أنت تقارن كواليسك بـ واجهة الآخرين.


قد يجلس رجل في مكتبه بعد يوم طويل.

فتح حاسوبه.

وجد رسالة من شخص يعرفه:

«الحمد لله، اليوم بدأت مرحلة جديدة في حياتي.»

أسفلها صورة لمكتب واسع.

قرأها.

ابتسم.

ثم نظر إلى مكتبه الصغير.

وفجأة بدا له كل شيء أقل مما كان عليه قبل دقيقة.

المكتب نفسه.

الكرسي نفسه.

الراتب نفسه.

الإنجازات نفسها.

لكن عينه تغيرت.

وهذا هو الأمر الذي لا ننتبه إليه كثيرًا:

المقارنة لا تغيّر الأشياء دائمًا، لكنها تغيّر الطريقة التي نراها بها.

قد تكون حياتك جيدة.

ثم تقارنها.

فتبدو ناقصة.

وقد تكون حققت شيئًا جميلًا.

ثم ترى من حقق أكثر.

فتنسى أنك حققت.

وقد تكون في طريقك الصحيح.

ثم ترى شخصًا سبقك.

فتظن أنك تسير في الطريق الخطأ.


المشكلة ليست في أن ينجح الآخرون.

نجاح الآخرين ليس إهانة لفشلك.

وسعادة الآخرين ليست دليلًا على تعاستك.

ورزق غيرك لا يعني أن رزقك تأخر.

لكن النفس حين تتعب، قد تحول حياة الآخرين إلى محكمة.

تدخل إليها كل صباح.

وتخرج منها متهمة.

لماذا لم أصل؟

لماذا لم أتزوج؟

لماذا لم أصبح مشهورًا؟

لماذا لا أملك المال نفسه؟

لماذا لا أعيش كما يعيشون؟

لماذا ما زلت هنا؟

والسؤال الأخير تحديدًا قد يكون مؤلمًا جدًا.

«لماذا ما زلت هنا؟»

كأن الحياة سباق.

وكأن هناك خط نهاية واحدًا.

وكأن الجميع يجب أن يصل في العمر نفسه، بالطريقة نفسها، إلى المكان نفسه.

لكن الإنسان ليس مشروعًا له جدول زمني واحد.

هناك من يبدأ مبكرًا.

ومن يتأخر.

ومن يغيّر طريقه.

ومن يسقط ثم يبدأ من جديد.

ومن يصل إلى شيء لم يكن يحلم به.

ومن يكتشف بعد الوصول أنه كان يريد شيئًا آخر.

لكن الشاشة لا تخبرك بكل هذا.

الشاشة تحب النتيجة.

والنفس تصدق الصورة.


والأخطر أن المقارنة لا تحدث فقط في المال والعمل.

لقد دخلت إلى تفاصيل الإنسان كلها.

حتى في الحزن أصبح هناك تنافس خفي.

من يتجاوز أسرع؟

من يعيش أفضل؟

من ينسى أولًا؟

وفي العلاقات:

من يحب أكثر؟

من ينشر صورًا أكثر؟

من يبدو أسعد؟

وفي الأبوة:

من أبناؤه أكثر تفوقًا؟

وفي المظهر:

من يبدو أصغر؟

من يسافر أكثر؟

من يملك جسدًا أفضل؟

حتى الراحة نفسها أصبحت قابلة للمقارنة.

تفتح هاتفك فتجد شخصًا يمارس الرياضة عند السادسة صباحًا.

آخر يقرأ كتابًا.

ثالث يتأمل.

رابع يبدأ مشروعًا.

خامس يتعلم لغة.

سادس يسافر.

فتشعر فجأة أنك أهدرت اليوم كله.

مع أنك لم تكن تعرف قبل ذلك أن اليوم يجب أن يحتوي على كل هذه الأشياء.


وهنا يتدخل سوق كامل لا يعيش إلا على شعور الإنسان بأنه غير كافٍ.

إعلان يقول لك بطريقة ناعمة:

ينقصك هذا.

مقطع يقول:

لو كنت ناجحًا لفعلت كذا.

شخص يقول:

استيقظ في الخامسة.

آخر يقول:

غيّر حياتك في ثلاثين يومًا.

ثالث يبيع لك صورة مثالية للإنسان الذي لا يتعب.

وبمرور الوقت، يصبح الإنسان يحمل قائمة طويلة من الأشياء التي يظن أنه يجب أن يكونها.

يجب أن يكون ناجحًا.

هادئًا.

غنيًا.

صحيًا.

مثقفًا.

جميلًا.

منتجًا.

اجتماعيًا.

متوازنًا.

سعيدًا.

ومطلعًا على كل شيء.

ثم يتساءل:

لماذا أنا متعب؟

لأنك تحاول أن تكون نسخة كاملة من عشرات الأشخاص في الوقت نفسه.


في إحدى الزوايا، قد تجد شخصًا يبتسم أمام الكاميرا.

كتب:

«أفضل أيام حياتي.»

لم يعرف أحد أنه حذف الصورة الأولى لأنه كان يبكي قبل التقاطها.

ولم يعرف أحد أن الرحلة التي تبدو رائعة كانت محاولة للهروب من شيء يؤلمه.

ولم يعرف أحد أن الشخص الذي يكتب عن النجاح يخشى الفشل.

ولم يعرف أحد أن صاحب السيارة الجديدة اقترض ثمنها.

ولم يعرف أحد أن الزوجين اللذين يبدوان سعيدين مرّا قبل الصورة بخلاف طويل.

هذه ليست دعوة إلى الشك في الناس.

ولا إلى افتراض أن كل ما نراه كذب.

بل إلى فهم شيء أبسط:

الصورة ليست الحياة.

إنها لحظة منها.

وأحيانًا لحظة منتقاة بعناية.

لكننا نأخذها كأنها الفيلم كاملًا.


لقد أصبح الإنسان يملك نافذة يرى منها العالم كله.

لكن المشكلة أنه يقف أمامها طويلًا حتى ينسى النظر إلى بيته.

ينسى ما لديه.

ينسى قصته.

ينسى أن حياته لا تحتاج إلى أن تشبه حياة أحد.

وهنا تبدأ خسارة أكثر عمقًا من الشعور بالنقص.

إنها فقدان البوصلة الداخلية.

لم يعد يسأل:

ماذا أريد؟

بل:

ماذا يفعل الناس؟

لم يعد يقول:

ما الذي يناسبني؟

بل:

ما الذي يجعلني مثلهم؟

لم يعد يبحث عن المعنى.

بل عن القبول.

وهكذا يصبح الإنسان تابعًا لمعايير لم يختَرها.


في العمل، قد يحدث هذا لرجل قضى عشر سنوات يبني خبرته بهدوء.

كان راضيًا.

ثم يرى شخصًا أصغر منه سنًا حصل على منصب أعلى.

في البداية يفرح له.

ثم يبدأ السؤال.

لماذا هو؟

ثم:

ماذا فعل أكثر مني؟

ثم:

هل تأخرت؟

ثم:

هل ضاعت سنواتي؟

قد تكون هناك أسباب كثيرة.

قد يكون الآخر في مجال مختلف.

قد تكون لديه مهارات لم يكتسبها هو.

وقد تكون الفرصة جاءت في توقيت مختلف.

لكن العقل لا يحب التفاصيل.

يحب المقارنة السريعة.

شخص وصل.

وأنا لم أصل.

إذن أنا فشلت.

وهذه معادلة ظالمة.

لأنها تحذف الطريق كله، وتترك النتيجة فقط.


حتى في الإدارة، المقارنة قد تفسد قرارات المؤسسات.

مدير يرى شركة أخرى نجحت في تطبيق نظام جديد.

فيقرر تطبيقه فورًا.

دون أن يسأل:

هل يناسب حجم مؤسستنا؟

هل يناسب ثقافتنا؟

هل لدينا الموارد؟

هل المشكلة التي حلها الآخرون موجودة عندنا أصلًا؟

قد يشتري نظامًا لأن شركة منافسة اشترته.

ويغير الهيكل لأن مؤسسة أخرى غيرته.

ويتبنى سياسة لأنه قرأ عنها.

ثم يفشل.

ليس لأن السياسة سيئة.

بل لأنه نقل حلًا من حياة أخرى إلى واقع مختلف.

وهذا ما يفعله الإنسان مع نفسه أيضًا.

يأخذ نظام حياة شخص آخر.

وظروفه.

طريقته.

إيقاعه.

ثم يحاول تركيبها على حياته.

وعندما لا تعمل، يتهم نفسه.


ربما نحتاج إلى إعادة النظر في معنى النجاح.

ليس النجاح أن تكون متقدمًا على الجميع.

لأنك لن تصل إلى هذه النقطة أصلًا.

سيكون هناك دائمًا شخص أسرع.

وأغنى.

وأكثر شهرة.

وأكثر خبرة.

وأكثر سفرًا.

وأكثر متابعة.

وأكثر ظهورًا.

إذا جعلت قيمتك مرتبطة بموقعك مقارنة بالآخرين، فسوف تظل مهددًا إلى الأبد.

لأن أي شخص يتقدم عليك سيأخذ جزءًا من رضاك عن نفسك.

أما إذا كان معيارك أعمق:

هل أصبحت أفضل مما كنت؟

هل أعيش بما يتفق مع قيمي؟

هل أؤدي ما أستطيع؟

هل أتعلم؟

هل أصلح ما أفسدت؟

هل أترك أثرًا طيبًا؟

هل أستطيع أن أنظر إلى نفسي دون أن أشعر أنني أعيش حياة شخص آخر؟

فهنا تتغير اللعبة.

لم تعد تنافس الناس.

بل ترافق نفسك.


ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله النفس حين تجد نفسها تنزلق إلى المقارنة أن تعود إلى سؤال بسيط:

«هل أريد هذه الحياة فعلًا… أم أريد فقط أن أشعر أنني لم أتأخر عنها؟»

السؤال مختلف.

قد تكتشف أنك لا تريد السيارة.

لكن يعجبك شعور صاحبها بالمكانة.

قد لا تريد الشهرة.

لكن يؤلمك أن الآخرين يُعرفون وأنت لا.

قد لا تريد السفر.

لكن يزعجك أن ترى غيرك يعيش ما لا تعيشه.

قد لا تريد المنصب.

لكن تخشى أن يبدو أنك أقل نجاحًا.

وهنا نكتشف أن كثيرًا من رغباتنا ليست رغبات حقيقية.

إنها رغبات مستعارة.

نريد الشيء لأننا رأيناه في يد غيرنا.


وفي هذا شيء يحتاج إلى شجاعة.

أن تسمح للآخرين بأن يتقدموا دون أن تشعر أنك تتراجع.

أن ترى نجاح صديقك وتفرح له دون أن تسأل فورًا:

وماذا عني؟

أن ترى شخصًا بدأ متأخرًا ونجح، فتقول:

«جميل.»

لا:

«لماذا لم أفعل ذلك؟»

أن ترى شخصًا يعيش بطريقة مختلفة، ولا تضطر إلى إثبات أن طريقتك أفضل.

هذه ليست سلبية.

إنها راحة.

لأنك حين تتوقف عن تحويل حياة الناس إلى مقياس لحياتك، يعود إليك شيء فقدته دون أن تشعر:

القدرة على رؤية ما لديك.


قد تجلس في نهاية اليوم مع شخص تحبه.

تشربان الشاي.

تتحدثان عن أشياء بسيطة.

لا صور.

لا متابعون.

لا أرقام.

لا إعجابات.

لا أحد يعرف أن هذه اللحظة حدثت.

لكنها تمنحك سلامًا لا تستطيع الشاشة أن تمنحه.

وفي لحظة كهذه، قد تفهم أن الحياة ليست ما يمكن عرضه.

هناك أجزاء كاملة من حياتنا لا تصلح للنشر.

الطمأنينة لا تحتاج جمهورًا.

والحب الحقيقي لا يحتاج شاهدًا.

والإنجاز الذي غيّرك من الداخل قد لا يعرفه أحد.

والأيام التي صنعتك ربما لم يصفق لها أحد.

وهذا لا يجعلها أقل قيمة.


نحن نعيش في زمن تستطيع فيه أن ترى حياة الآخرين في أي وقت.

لكن ربما أصبح من الضروري أن تتعلم أحيانًا ألا تنظر.

ليس كراهية للعالم.

بل حبًا لحياتك.

أن تغلق الشاشة.

وتعود إلى نفسك.

تسأل:

ماذا يحدث معي؟

ماذا أريد؟

ماذا أملك؟

ماذا أحتاج أن أصلحه؟

إلى أين أريد أن أذهب، حتى لو لم يذهب أحد معي؟

هذه الأسئلة قد تبدو بسيطة.

لكنها تحتاج إلى إنسان لم يعد يطلب من العالم أن يخبره من يكون.


في الصباح التالي، وضع هاتفه جانبًا.

فتح النافذة.

دخل الهواء.

نظر إلى الشارع.

لم يكن أحد ينتظره هناك ليقارن نفسه به.

كان الناس يمشون إلى أعمالهم.

كل شخص يحمل قصته.

كل بيت يخفي شيئًا.

كل وجه وراءه ليلة لا يعرفها الآخرون.

ابتسم.

ثم جلس إلى مكتبه.

لم تصبح حياته فجأة عظيمة.

ولم يصبح أغنى.

ولم يسبق أحدًا.

لكنه شعر بشيء أكثر أهمية:

عاد يرى حياته بعينيه.

وهذا في حد ذاته بداية.

لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى حياة أفضل.

أحيانًا يحتاج إلى أن يتوقف عن النظر إلى حياته بعين لا تشبهه.


رسالة الفصل

لا تقارن حياتك بصورة منتقاة من حياة شخص آخر.

أنت ترى لحظة، ولا ترى القصة.

ترى النتيجة، ولا ترى الطريق.

ترى الابتسامة، ولا تعرف ما وراءها.

ولا تجعل وصول شخص آخر دليلًا على تأخرك.

لكل إنسان توقيته، وطريقه، وثمنه، وما لا يراه الناس من حكايته.

ليس المطلوب أن تكون أفضل من الجميع؛ المطلوب أن تكون صادقًا مع الطريق الذي اخترته، وألا تخسر حياتك وأنت تحاول أن تثبت أنك لم تتأخر عن حياة غيرك.

تمهيد للفصل الرابع

لكن المقارنة ليست وحدها التي تدخل إلى النفس من الخارج.

هناك شيء أكثر انتشارًا، وأكثر خفاءً.

إنه ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يظن أنه يجب أن يكون حاضرًا في كل شيء، وأن يعرف كل شيء، وأن يرد على الجميع، وأن يتابع كل جديد، وأن يظل متصلًا طوال الوقت.

حتى أصبح الانقطاع عن العالم يشبه التقصير.

والراحة تشبه الذنب.

والصمت يشبه التأخر.

في الفصل القادم سنقترب من هذا الشعور:

«حين أصبح التوقف تهمة»

لأن الإنسان الذي لا يسمح لنفسه بالتوقف…

قد يصل يومًا إلى مكان لا يعرف كيف يعود منه إلى نفسه.