صفعات الخذلان
بلال حسان الحمداني
أما والله إني قد ألِفتُ الحزن وألِفني، حتى أمسيتُ لا أنفكّ عنه ولا ينفكّ عني. تشابهت أيامي كلها؛ فأقضي نهاري في شقاء العمل واحتمال جفوة الجاهلين هناك، ولا أُسَلّي نفسي إلا برجاء العودة مساءً، لأمسك يراعي وأخطّ روايتي في ركني الحميم؛ شرفتي التي انتبذتها مع هدوء الليل، ونسائمه التي تداعب روحي، حيث أُصاحب القمر والنجوم الساهرة.
وفي أيام العطلة، أقطع المسافات الطويلة إلى بيت عمي، ألتمس دفء العائلة هناك، وأُمنّي النفس بأنني عن قليل عائدٌ -إن شاء الله- إلى موطني، لأرمي وراء ظهري كل ما كان من شقاء، وأبدأ حياةً جديدة. ربما كانت هذه هي السلوى الوحيدة التي بَقيت لي، بعد أن مات في قلبي كل شعور، وتَبدَّل الحب ضغينةً، والحنو قسوةً.
أشعر أنني نفرت من الناس إلا قليلاً. لا أعلم أهي ردة فعل سلبية، أم أنها الحقيقة المرة التي عرفتها وتجاهلتها زمنا: أن تَهَب الحب الذي فقدته لأناس لا يعرفون الحب، وأن تجود بالكرم في زمان الشح، وأن تحاول أن تكون حضاريا مع مجتمع أعرابي جلف! الحقيقة التي توصلت إليها هي أن لا أحد يستحق، وأن “عقدة المنقذ” التي لازمتني برهة من الزمن -حين كنت أحاول أن أكون المرمم لقلوب منكسرة بينما قلبي مشظى منذ زمن بعيد، وحين حاولت أن أزرع السعادة في قلوب قفراء، وأن أكون إيجابياً وسط طوفان من السلبيين- كل ذلك جعلني أنفر من الكل وأعاف الجميع.
أُقسّي نفسي محاولاً ألا أكترث بأحد. كل من يذكرني بشخصيات سامة مرّت في حياتي أفر منه وأمقته. أحاول أن أبدو قاسياً وإن كرهني الجميع، وكأنني أستدعي كل ما كان، وأكره كل ما كنت أُحبه في نفسي، وأندم! ربما كان يجب عليّ أن أكون كذلك منذ الصفعة الأولى من تلك الغدّارة، لكنني آليت على نفسي ألا تكون ردة فعلي سلبية، وألا أتخلى عن طبعي لِذنبِ مَن لا تستحق.
لكنني، في النهاية، توصلت إلى أن الجميع كمثلها، ولا سيما بنات هذا الجيل. فالحِلم في هذا الوقت، والصبر، ما هما إلا منافذ لذوي النفوس المريضة ليغتروا بحلمك وطول صبرك. أما الطيبة واللطف والحنان، فما هي إلا سذاجة في زمن المكر والخداع، ومطية يستغلها قليلو الأصل.
صفعات الخذلان بقلم بلال حسان الحمداني






المزيد
حين أصبحت حياة الآخرين مرآتنا بقلم الكاتب هاني الميهي
ثمة اختلاف بين أن تكون واعياً، أو ناضجاً بما يكفي بقلم ايه طلعت
زمرّد الدم بقلم مريم الرفاعي 🇾🇪