مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الريميتي بين الحقيقة والخيال في رواية واسيني الأعرج

كتبت خيرة عبدالكريم:

تُعدّ شخصية سعدية بوضياف، المعروفة باسم الشيخة الريميتي، من الشخصيات الفنية الجزائرية التي أثارت جدلًا واسعًا، فقد عاشت حياة مليئة بالصعوبات والتحديات، وواجهت نظرة مجتمع لم يكن دائمًا متقبلًا لفنها وطريقة تعبيرها عن قضايا المرأة والحب والحياة. ورغم الانتقادات التي طالتها، استطاع الروائي الجزائري واسيني الأعرج أن يعيد تقديم شخصيتها في عمله الروائي، محاولًا الكشف عن الجانب الإنساني الذي غاب خلف الأحكام الاجتماعية والصورة النمطية التي التصقت بها.

وقد اعتمد واسيني الأعرج في بناء صورة الريميتي على الشهادات الحية والروايات التي نقلها أشخاص عاصروها أو عرفوا تجربتها، وهو ما منح الشخصية الروائية بعدًا واقعيًا واضحًا. فالشهادات لم تكن مجرد معلومات تاريخية، بل ساعدت الكاتب على الاقتراب من تفاصيل حياتها، ومعاناتها، ومسيرتها الفنية، والظروف الاجتماعية التي أحاطت بها. ومن خلال هذه الشهادات، حاول الأعرج أن يستحضر صوت الريميتي وأن يجعل القارئ يرى الإنسانة وراء الفنانة.

كما استطاع الكاتب أن يمثل شخصية الريميتي في واقعها الاجتماعي والتاريخي، فلم يقدمها بمعزل عن البيئة التي نشأت وعاشت فيها، بل ربط حياتها بالتحولات التي عرفها المجتمع الجزائري. فالريميتي في الرواية ليست مجرد مغنية شعبية، وإنما امرأة واجهت الفقر والتهميش والقيود الاجتماعية، واختارت الفن وسيلة للتعبير عن ذاتها وعن واقع النساء من حولها.

ومن أهم ما يميز هذا التناول أن واسيني الأعرج حاول إعادة قراءة شخصية الريميتي بعيدًا عن الأحكام الجاهزة. فالمجتمع قد يحاكم الفنان من خلال مظهره أو كلماته، بينما يحاول الروائي البحث عن الأسباب والدوافع التي شكلت تجربته. لذلك تتحول الريميتي في العمل من شخصية مثيرة للجدل إلى رمز للمرأة التي تصارع من أجل إثبات وجودها وصوتها في مجتمع يفرض عليها الكثير من القيود.

وفي النهاية، يمكن القول إن واسيني الأعرج استطاع، من خلال توظيف الشهادات الحية والوقائع المستمدة من زمن الريميتي وتمثيلها داخل فضاء روائي واقعي، أن يقدم صورة أكثر إنسانية وعمقًا لسعدية بوضياف. فلم يكن هدفه مجرد سرد سيرتها، وإنما محاولة فهمها وإنصافها وإبراز ما تعرضت له من ظلم اجتماعي. وهكذا أصبحت الريميتي في الرواية صوتًا للمرأة الجزائرية التي قاومت الصمت، وحولت معاناتها إلى فن، وتركت أثرًا لا يزال حاضرًا في الذاكرة الثقافية الجزائرية.