مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الغد الذي لم يأتِ بعد بقلم الكاتب هاني الميهي

الغد الذي لم يأتِ بعد

الكاتب هاني الميهي

 

الفصل الثاني:

كل هذا يحدث في الخارج

لكن شيئًا منه يحدث فينا

 

كان الليل هادئًا.

 

هادئًا إلى الدرجة التي تجعل الإنسان يسمع أفكاره بوضوح.

 

أطفأ الضوء، ووضع هاتفه إلى جواره، ثم أغلق عينيه.

 

كان يومه قد انتهى.

 

لم يبقَ شيء ضروري عليه أن يفعله.

 

غدًا سيذهب إلى عمله كالمعتاد، وسيجلس إلى مكتبه، وسينتهي الاجتماع الذي يقلقه منذ الصباح، ثم يعود إلى منزله، وربما يشرب قهوته في المكان نفسه الذي اعتاد الجلوس فيه.

 

كل شيء طبيعي.

 

ومع ذلك لم ينم.

 

فتح عينيه.

 

نظر إلى السقف.

 

ثم أخذ نفسًا طويلًا.

 

لم يكن هناك شيء يحدث.

 

لكن شيئًا ما كان يحدث داخله.

 

عاد عقله إلى الاجتماع.

 

ماذا لو سأله المدير عن التقرير؟

 

ماذا لو كانت الأرقام غير جيدة؟

 

ماذا لو حدثت مشكلة؟

 

ماذا لو تغيرت الأمور في العمل؟

 

ماذا لو خسر وظيفته يومًا؟

 

توقف.

 

لم يكن قد خسرها.

 

بل لم يكن هناك حتى ما يشير إلى أنه سيخسرها.

 

لكن العقل لا يحتاج دائمًا إلى دليل كي يبدأ الخوف.

 

يكفيه احتمال.

 

ثم جاء احتمال آخر.

 

وماذا لو مرض؟

 

وماذا لو حدث شيء لأحد أحبته؟

 

وماذا لو تغيرت الحياة فجأة؟

 

وماذا لو…

 

هنا أدرك أنه لم يعد يفكر في الغد.

 

لقد بدأ يعيش فيه.

 

والغد لم يأتِ بعد.

 

 


 

ربما هذه واحدة من أكثر صور الإرهاق انتشارًا في زمننا:

 

أن يعيش الإنسان أحداثًا لم تقع.

 

يخاف من خسارة لم تحدث.

 

يحزن على شيء ما زال يملكه.

 

يقلق من مشكلة لم تصل.

 

ويستعد لكارثة قد لا تأتي أصلًا.

 

ثم يستيقظ في الصباح متعبًا، دون أن يعرف لماذا.

 

فماذا حدث له طوال الليل؟

 

لم يحدث شيء.

 

وهذه هي الإجابة الأكثر غرابة.

 

لم يحدث شيء في الخارج، لكن أشياء كثيرة حدثت في الداخل.

 

 


 

النفس البشرية تعرف الخطر.

 

وهذه نعمة.

 

لولا قدرتها على توقع الخطر، لما استطاع الإنسان أن يحمي نفسه أو يخطط لحياته.

 

لكن هناك لحظة دقيقة تتحول فيها القدرة على التوقع إلى عبء.

 

حين لا يعود العقل يسأل:

 

«ماذا يمكنني أن أفعل؟»

 

ويبدأ في السؤال:

 

«ماذا لو حدث كل شيء؟»

 

الأول يقود إلى الفعل.

 

والثاني يقود إلى الاستنزاف.

 

في الأول توجد نهاية للفكرة.

 

أما الثاني فلا نهاية له.

 

لأن الاحتمالات لا تنتهي.

 

يمكنك أن تتخيل عشر نتائج.

 

ثم مئة.

 

ثم ألفًا.

 

وكل نتيجة تفتح بابًا لنتيجة أخرى.

 

حتى تجد نفسك في منتصف الليل تحاول حل حياة كاملة لم تبدأ أحداثها بعد.

 

 


 

في العمل، قد يبدأ الأمر برسالة قصيرة.

 

يرسل الموظف تقريرًا إلى مديره.

 

ثم ينتظر.

 

تمر عشر دقائق.

 

لا رد.

 

نصف ساعة.

 

لا رد.

 

ساعة.

 

لا رد.

 

يبدأ العقل:

 

ربما لم يعجبه التقرير.

 

ربما هناك خطأ.

 

ربما سيطلب تعديله.

 

ربما سيسألني أمام الجميع.

 

ربما يظن أنني قصرت.

 

ثم يصل الرد أخيرًا:

 

«شكرًا، سنناقشه غدًا.»

 

فقط.

 

جملة عادية.

 

لكن الإنسان يكون قد خاض قبل وصولها معركة كاملة.

 

والغريب أنه لا ينتبه إلى ما حدث.

 

هو يظن أنه كان «يفكر».

 

بينما كان في الحقيقة يدفع من طاقته ثمن شيء لم يقع.

 

 


 

وفي العلاقات يحدث الأمر نفسه.

 

تتأخر رسالة.

 

تتغير نبرة صوت.

 

تنتهي مكالمة بسرعة.

 

يصمت شخص اعتدت منه الكلام.

 

فتبدأ النفس في الكتابة.

 

لكنها لا تكتب الحقيقة.

 

تكتب الاحتمال.

 

«ربما تغير.»

 

«ربما لم يعد يهتم.»

 

«ربما هناك شخص آخر.»

 

«ربما انتهى كل شيء.»

 

ثم تتعامل مع هذه القصة وكأنها حدثت بالفعل.

 

فتتغير معاملتك للشخص.

 

يتغير صوتك.

 

تبتعد.

 

تغضب.

 

تراقب.

 

تختبر.

 

وقد تخسر علاقة حقيقية بسبب قصة لم تكن موجودة إلا في رأسك.

 

كم مرة لم يؤلمنا ما حدث؟

 

بل ما اعتقدنا أنه سيحدث؟

 

 


 

المستقبل غريب.

 

هو الشيء الوحيد الذي ننتظره طوال الوقت، ثم عندما يصل يصبح حاضرًا، فلا يعود مستقبلًا.

 

ومع ذلك نقضي جزءًا كبيرًا من أعمارنا في الخوف منه.

 

نحن نملك اليوم، لكننا نستهلكه في مراقبة الغد.

 

لدينا أشخاص إلى جوارنا، لكننا نخشى فقدانهم بدل أن نعيش وجودهم.

 

لدينا عمل، لكننا نفكر في احتمال فقدانه.

 

لدينا صحة، لكننا نخاف المرض.

 

لدينا بيت، لكننا نفكر في يوم الرحيل.

 

حتى اللحظة الجميلة لا نتركها كاملة.

 

نضع بجوارها سؤالًا صغيرًا:

 

«إلى متى؟»

 

وكأن النفس لم تعد تعرف كيف تفرح دون أن تخاف من نهاية الفرح.

 

 


 

وهنا يصبح الخوف أكثر دهاءً.

 

لأنه لا يأتي دائمًا في صورة رعب.

 

أحيانًا يأتي في صورة حرص.

 

يقول لك:

 

«أنا فقط أريد أن أكون مستعدًا.»

 

وهذا كلام منطقي.

 

فالاستعداد مطلوب.

 

والتخطيط حكمة.

 

لكن هناك فرقًا بين أن تستعد للغد، وبين أن تستنزف اليوم من أجل غد مجهول.

 

أن تخطط لما تستطيع فعله غدًا شيء.

 

وأن تعيش اليوم كاملًا تحت تهديد احتمالات الغد شيء آخر.

 

الاستعداد يبني.

 

أما القلق فيستهلك.

 

 


 

قد يضع الإنسان خطة مالية لأنه يخشى المستقبل.

 

هذا وعي.

 

وقد يتعلم مهارة جديدة حتى يكون أكثر قدرة على مواجهة تغيرات العمل.

 

هذا نضج.

 

وقد يحافظ على صحته لأنه يعرف أن الوقاية أفضل.

 

هذه مسؤولية.

 

لكن أن يقضي الليل يتخيل الفقر، والمرض، والفشل، والفقد، والبطالة، ثم لا يفعل شيئًا حقيقيًا تجاه أي منها…

 

فهنا لم يعد يستعد.

 

لقد أصبح يعيش في نسخة متخيلة من الكارثة.

 

والنفس لا تفرق دائمًا بين ما تتخيله طويلًا وما تعيشه فعلًا.

 

لهذا قد يشعر جسدك بالتوتر أمام خطر لم يصل.

 

وقد يضيق صدرك من مكالمة لم تأتِ.

 

وقد تفقد النوم بسبب نتيجة لم تظهر.

 

الجسد يعيش أحيانًا القصة التي يكتبها العقل.

 

 


 

ولذلك فإن بعض الناس لا يحتاجون إلى تغيير ظروف حياتهم بقدر ما يحتاجون إلى تغيير علاقتهم بالاحتمال.

 

ليس كل ما يمكن أن يحدث سيحدث.

 

وهذه حقيقة بسيطة، لكننا ننسى تطبيقها.

 

يمكن أن تفشل.

 

لكن يمكنك أيضًا أن تنجح.

 

يمكن أن تخسر.

 

لكن يمكنك أيضًا أن تحتفظ.

 

يمكن أن يتغير شخص.

 

لكن يمكنه أيضًا أن يبقى.

 

يمكن أن يحدث الأسوأ.

 

لكن يمكن أن يحدث الأفضل.

 

لماذا نعطي الاحتمال السيئ يقينًا لا نعطيه للاحتمال الجيد؟

 

لماذا نتعامل مع الخوف كأنه تنبؤ؟

 

لماذا نمنح أسوأ سيناريو حق احتلال الحاضر؟

 

 


 

ربما لأن النفس تحاول أن تحمينا.

 

هي تظن أن التفكير في المصيبة قبل وقوعها سيجعلها أقل إيلامًا إذا حدثت.

 

لكنها لا تفهم شيئًا واحدًا:

 

أنك حين تعيش المصيبة ألف مرة في خيالك، لن تحصل على ضمان ألا تعيشها مرة واحدة في الواقع.

 

كل ما حصلت عليه أنك عشتها ألف مرة دون أن تحدث.

 

وهذا ثمن باهظ.

 

 


 

والدين لا يطلب من الإنسان أن يكون غافلًا عن المستقبل.

 

بل يعلمه أن السعي مسؤولية، وأن النتائج ليست كلها في يده.

 

أن تفعل ما تستطيع، ثم تترك ما لا تستطيع لله.

 

هذه ليست عبارة للهروب من الواقع.

 

بل طريقة أكثر نضجًا للتعامل معه.

 

فأنت لا تملك الغد.

 

لكن تملك استعدادك له.

 

لا تملك النتيجة كاملة.

 

لكن تملك سعيك.

 

لا تستطيع منع كل خسارة.

 

لكن تستطيع أن تكون أكثر استعدادًا حين تأتي.

 

وهذا يكفي.

 

ليس لأن الحياة ستصبح آمنة تمامًا.

 

بل لأنك لن تضطر إلى تحويل حياتك كلها إلى غرفة انتظار للخطر.

 

 


 

كان الرجل ما يزال مستلقيًا.

 

الساعة تجاوزت منتصف الليل.

 

مد يده إلى هاتفه.

 

ثم توقف.

 

نظر إليه لحظات.

 

وأعاده إلى مكانه.

 

قال لنفسه:

 

«لن أعرف الآن ما سيحدث غدًا.»

 

ثم ابتسم.

 

كانت الجملة في السابق تخيفه.

 

هذه المرة منحته شيئًا من الراحة.

 

لأنه فهم أخيرًا أن عدم معرفته بالغد ليس مشكلة يجب حلها.

 

إنه جزء من طبيعة الحياة.

 

الغد مجهول.

 

وسيظل مجهولًا.

 

لكن الإنسان لا يحتاج إلى أن يعرف كل ما سيحدث كي يستطيع أن يعيش.

 

يكفي أن يصل إليه عندما يأتي.

 

 


 

في الصباح، استيقظ.

 

ذهب إلى عمله.

 

دخل الاجتماع.

 

جلس أمام المدير.

 

فتح التقرير.

 

انتظر السؤال.

 

لكن السؤال الذي ظل يطارده طوال الليل لم يأتِ.

 

تحدثوا عن أشياء أخرى.

 

ناقشوا خطة جديدة.

 

ضحك أحدهم.

 

انتهى الاجتماع.

 

خرج إلى الممر.

 

وقف لحظة.

 

ثم تذكر الليل.

 

كل ذلك الخوف.

 

كل تلك السيناريوهات.

 

كل ذلك الإرهاق.

 

ثم ضحك في سره.

 

لم يكن غاضبًا من نفسه.

 

كان فقط يكتشف كم مرة عاقب نفسه على أشياء لم تفعلها الحياة به.

 

 


 

كم مرة فعلنا ذلك؟

 

كم ليلة أضعناها في محاكمة الغد؟

 

كم صباحًا وصل إلينا ونحن منهكون لأننا قضينا الليل في مكان لم نذهب إليه؟

 

كم مرة خسرنا جمال لحظة حاضرة لأننا كنا مشغولين بالخوف من نهايتها؟

 

ربما لا نستطيع أن نمنع العقل من التفكير.

 

ولا ينبغي أن نحاول.

 

لكن يمكننا أن نسأله:

 

هل هناك شيء أستطيع فعله الآن؟

 

إن كانت الإجابة نعم، فافعله.

 

وإن كانت لا، فلماذا تعاقب نفسك بالتفكير المستمر؟

 

هذه ليست دعوة إلى اللامبالاة.

 

إنها دعوة إلى معرفة حدودك.

 

أن تعرف متى يكون التفكير فعلًا.

 

ومتى يصبح دورانًا.

 

متى يكون التخطيط مسؤولية.

 

ومتى يتحول إلى خوف متنكر.

 

 


 

الحاضر هو الشيء الوحيد الذي يمكنك أن تلمسه.

 

كوب القهوة الذي أمامك.

 

العمل الذي بين يديك.

 

الإنسان الذي يجلس بجوارك.

 

الطريق الذي تمشي فيه.

 

الصلاة التي تؤديها.

 

الكلمة التي تستطيع قولها.

 

القرار الذي تستطيع اتخاذه.

 

أما الغد…

 

فله وقته.

 

وسيأتي.

 

وقد يأتي مختلفًا تمامًا عما تخيلت.

 

وربما يكون هذا أجمل ما فيه.

 

لأن الحياة لو أخبرتنا مسبقًا بكل شيء، لما بقي فيها مكان للمفاجأة.

 

 


 

لا تجعل خوفك من الغد دليلًا على أن الغد سيئ.

 

أحيانًا يكون خوفك مجرد خوف.

 

ولا أكثر.

 

ولا تمنح كل إحساس داخلي قيمة النبوءة.

 

ليس كل شعور تحذيرًا.

 

وليس كل انقباض حدسًا.

 

وليس كل احتمال علامة.

 

أحيانًا تكون النفس متعبة فقط.

 

وأحيانًا يكون العقل قد بالغ في الحماية.

 

وأحيانًا نحتاج ببساطة إلى أن نقول لأنفسنا:

 

«سأتعامل مع ما يأتي عندما يأتي.»

 

ثم نعود إلى حياتنا.

 

 


 

رسالة الفصل

 

ليس مطلوبًا منك أن تعرف الغد كي تطمئن.

 

وليس مطلوبًا منك أن تمنع كل احتمال سيئ كي تكون مستعدًا.

 

افعل ما تستطيع.

 

خطط لما تستطيع.

 

احمِ من تستطيع.

 

ثم اترك للغيب مساحته.

 

فالحياة لا تطلب منك أن تعيش كل الاحتمالات قبل وقوعها.

 

يكفي أن تعيش اليوم الذي بين يديك، فإذا جاء الغد… كنت حاضرًا لاستقباله، لا منهكًا من الخوف منه.

 

تمهيد للفصل الثالث

 

لكن الخوف من المستقبل ليس الشيء الوحيد الذي يسرق الإنسان من حاضره.

 

هناك شيء آخر يدخل إليه كل يوم دون استئذان.

 

شيء يجعل الإنسان ينظر إلى حياته، ثم ينظر إلى حياة الآخرين، ثم يعود إلى نفسه وهو يشعر أن شيئًا ينقصه.

 

إنها المقارنة.

 

وفي زمن يستطيع فيه الإنسان أن يرى آلاف الحيوات قبل أن ينهي فنجان قهوته، لم تعد المقارنة مجرد شعور عابر…

 

لقد أصبحت طريقة ينظر بها الإنسان إلى نفسه.

 

ومن هنا تبدأ حكاية الفصل الثالث:

 

حين أصبحت حياة الآخرين مرآتنا