مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ما الذي يبقى من المدرسة حين تنتهي الكتب؟

بقلم: ليمار وليد

كانت هناك أسئلة كثيرة في بالي حول التعليم؛ أسئلة عن المدرسة، وعن المعلم، وعن الطالب، وعن المستقبل الذي ينتظر جيلًا يعيش في عالم تتغير ملامحه كل يوم.

كنت أتساءل: هل ما زالت المدرسة قادرة على أداء دورها في زمن أصبح فيه الطالب قادرًا على الوصول إلى المعلومة في ثوانٍ؟ وهل تكفي المناهج وحدها لإعداد إنسان قادر على مواجهة المستقبل؟ وأين يقف المعلم في ظل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي؟ وهل يبدأ بناء شخصية الإنسان في المرحلة الثانوية، أم أن جذورها تمتد إلى سنواته الأولى؟

كانت أسئلة كثيرة، ووجدت بعض إجاباتها خلال حوار أجريته مع الدكتور أبو ذر قرشي، مدير الأكاديمية الأفريقية بالقاهرة، حول رؤيته للتعليم ومستقبله. لكن الحوار لم يجعلني أنظر إلى التعليم باعتباره مجموعة من المناهج والامتحانات فقط، بل دفعني إلى سؤال أكبر: ماذا نريد من المدرسة أصلًا؟

أولاً: التعليم.. أكثر من كتاب وامتحان

ربما اعتدنا أن نربط نجاح المدرسة بنتائج طلابها، وأن نقيس التفوق بالأرقام التي تظهر في نهاية العام الدراسي. لكن التعليم، في حقيقته، أكبر من ورقة امتحان.

فالمدرسة هي المكان الذي يقضي فيه الطفل سنوات من عمره، يتعلم خلالها القراءة والكتابة، لكنه يتعلم أيضًا كيف يتعامل مع الآخرين، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يواجه الخطأ، وكيف يكتشف قدراته. ولهذا فإن الحديث عن مستقبل التعليم لا يمكن أن ينحصر في تطوير المناهج فقط، بل يجب أن يمتد إلى الإنسان الذي نصنعه من خلال هذه المناهج.

ويرى الدكتور أبو ذر أن التعليم هو الركيزة الأساسية للمستقبل، وأن المنظومة التعليمية مطالبة بمواكبة التحول الرقمي والثورة التكنولوجية، وتطوير المناهج بما يتناسب مع مهارات القرن الحادي والعشرين. وهنا تبدو القضية أكبر من مجرد إدخال التكنولوجيا إلى الفصول؛ فالتحدي الحقيقي هو أن نُعلّم الطالب كيف يعيش ويتعلم في عالم أصبحت فيه المعرفة متاحة أمامه بصورة غير مسبوقة.

ثانياً: حين لم تعد المعلومة حكرًا على المعلم

في الماضي، كان المعلم يمثل المصدر الأساسي للمعرفة داخل الفصل. أما اليوم، فيستطيع الطالب الوصول إلى المعلومات عبر الهاتف والإنترنت خلال لحظات.

لكن هذا التطور لم يُلغِ دور المعلم. على العكس، ربما جعل وجوده أكثر أهمية، ولكن بصورة مختلفة.

فبحسب رؤية مدير الأكاديمية، لم يعد المعلم مجرد ناقل للمعلومة، وإنما أصبح ميسّرًا وداعمًا للعملية التعليمية، وهو ما يفرض عليه التعلم المستمر والتدريب والتأهيل حتى يستطيع مواكبة التطورات المتسارعة. فالطالب قد يستطيع أن يجد الإجابة على الإنترنت، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يعرف: هل هذه الإجابة صحيحة؟ وهل تناسب السؤال؟ وكيف يمكن تحويلها إلى معرفة حقيقية؟

وهنا يأتي دور المعلم؛ ليس ليحجب المعلومة عن الطالب، وإنما ليساعده على فهمها واستخدامها.

ثالثاً: الذكاء الاصطناعي.. تحدٍ جديد أم فرصة؟

ربما يكون الذكاء الاصطناعي واحدًا من أكبر الأسئلة التي تواجه التعليم اليوم. فهو يفرض على المدارس والمعلمين والطلاب إعادة التفكير في الطريقة التي نتعلم بها، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون أداة مساعدة إذا أُحسن استخدامه.

ولهذا فإن مستقبل التعليم لا يبدو في منافسة الإنسان للآلة، وإنما في معرفة الإنسان كيف يستخدم الآلة دون أن يفقد قدرته على التفكير. فالطالب الذي يمتلك التكنولوجيا دون تفكير نقدي قد يصبح أكثر عرضة للوقوع في الخطأ، بينما الطالب الذي يجمع بين الأدوات الحديثة والقدرة على التحليل يمكن أن يحول التكنولوجيا إلى وسيلة حقيقية للتعلم.

ومن هذا المنطلق، فإن تدريب المعلمين وتطوير المناهج لا ينبغي أن يكونا رفاهية، بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر.

رابعاً: أين يبدأ بناء الإنسان؟

ومن بين الأسئلة التي كانت في ذهني: هل ينبغي أن يكون التركيز الأكبر على طلاب المرحلة الثانوية، باعتبارهم مقبلين على مرحلة جديدة، أم أن المراحل الأولى تستحق الاهتمام الأكبر لأنها مرحلة التأسيس؟

كانت الإجابة تميل بوضوح إلى أهمية السنوات الأولى. فالطفل لا يدخل المرحلة الابتدائية وهو مجرد عقل ينتظر أن تمتلئ ذاكرته بالمعلومات، وإنما يدخلها بشخصية في طور التشكّل. وفي هذه السنوات تتكون كثير من عاداته وطريقة تعامله مع الآخرين ونظرته إلى التعلم والمسؤولية.

ولهذا يرى الدكتور أبو ذر أن المرحلة الأساسية، ولا سيما المرحلة الابتدائية، لها أهمية كبيرة في بناء شخصية الطفل وتكوينه. وربما لهذا السبب لا ينبغي أن ننظر إلى التعليم الأساسي باعتباره مجرد مرحلة تمهّد لما بعدها، بل باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه المراحل التالية كلها.

خامساً: التكنولوجيا داخل الفصل.. ولكن لماذا؟

وفي الأكاديمية الأفريقية، بحسب ما أوضحه مديرها، توجد سبورات ذكية وفصول تفاعلية، إلى جانب العمل على زيادة الأجهزة المستخدمة في العملية التعليمية وتدريب المعلمين على توظيف التكنولوجيا في التدريس، من إعداد الدروس إلى تقويمها.

لكن وجود التكنولوجيا وحده لا يصنع تعليمًا حديثًا. فالسؤال الأهم ليس: كم جهازًا تمتلك المدرسة؟ وإنما: ماذا يفعل الطالب بهذه الأدوات؟

فالتكنولوجيا تصبح ذات قيمة حين تساعد الطالب على الفهم، والبحث، والتجربة، والتفاعل، لا حين تكون مجرد مظهر يدل على أن المدرسة تواكب العصر.

سادساً: المدرسة والأسرة.. طرفان في تربية واحدة

وحين نتحدث عن الطالب، لا يمكن أن نتجاهل البيئة التي يعود إليها بعد انتهاء اليوم الدراسي. فالمدرسة ليست العالم الوحيد الذي يؤثر في شخصيته؛ هناك الأسرة، والمجتمع، والأصدقاء، وكل ما يحيط به.

ويرى مدير الأكاديمية أن المشكلات السلوكية قد تكون أحيانًا نتيجة فجوة بين الأسرة والمدرسة، وأن التكامل بين الطرفين ضروري حتى يتلقى الطالب مفاهيم إيجابية ومتسقة.

وهنا تظهر حقيقة بسيطة: لا تستطيع المدرسة وحدها أن تقوم بكل أدوار التربية. فالمعلم يستطيع أن يوجه، والإدارة تستطيع أن تضع الأنظمة، والأسرة تستطيع أن تزرع القيم، لكن النتيجة النهائية تتشكل من تفاعل كل هذه العناصر معًا. ولذلك فإن العلاقة بين الأسرة والمدرسة لا ينبغي أن تقوم فقط على التواصل وقت المشكلة، بل على شراكة مستمرة هدفها مصلحة الطالب.

سابعاً: النجاح ليس دائمًا رقمًا

من الأشياء التي لفتت انتباهي في الحديث عن تجربة الأكاديمية، النظر إلى التفوق باعتباره رحلة وليس نتيجة نهائية فقط. فالمدرسة تعتمد، وفق حديث مديرها، على الامتحانات الشهرية والامتحانات الموحدة لمتابعة مستوى الطالب ومعدل نموه من اختبار إلى آخر.

وهذا يطرح مفهومًا مختلفًا للنجاح. فليس كل طالب يبدأ من النقطة نفسها، وليس كل تقدم يمكن اختصاره في مقارنة طالب بآخر. أحيانًا يكون النجاح الحقيقي أن يتجاوز الطالب مستواه السابق، وأن يكتسب ثقة أكبر بقدراته، وأن يتحسن تدريجيًا حتى يصل إلى نتيجة أفضل.

وهنا يصبح دور المدرسة ليس فقط اكتشاف المتفوقين، وإنما مساعدة كل طالب على الوصول إلى أفضل نسخة ممكنة من نفسه.

ثامناً: حين يصبح التعليم مسؤولية اجتماعية

ولا ينفصل التعليم عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية للطلاب. فالطالب المتفوق قد يحتاج إلى فرصة تساعده على الاستمرار، والأسرة محدودة الدخل قد تحتاج إلى مساندة حتى لا تصبح الظروف الاقتصادية عائقًا أمام تعليم أبنائها.

ويشير مدير الأكاديمية إلى وجود دعم للطلاب المتفوقين من خلال الإعفاء من الرسوم الدراسية، إلى جانب ميزانية مخصصة للأيتام والأسر محدودة الدخل. وهذا يضعنا أمام سؤال مهم: هل يمكن أن نتحدث عن جودة التعليم دون أن نتحدث عن عدالة الوصول إليه؟

فالتعليم لا يكتمل دوره إذا كان النجاح متاحًا فقط لمن يملك القدرة على الوصول إليه.

تاسعاً: في النهاية.. أي إنسان نريد أن نُخرج؟

ربما كانت أكثر إجابات الحوار ارتباطًا بالسؤال الأول الذي بدأ منه كل شيء: ماذا نريد من المدرسة؟

فعندما سُئل الدكتور أبو ذر عن الصفات التي يريد أن يتحلى بها خريج الأكاديمية الأفريقية، لم يتحدث فقط عن الدرجات أو التفوق الأكاديمي، وإنما تحدث عن احترام الوالدين، والالتزام بالصلاة، وحب الوطن، وتقديم الواجب على الحق.

وقد يبدو هذا الحديث بعيدًا عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمناهج الحديثة، لكنه في الحقيقة يعيدنا إلى جوهر التعليم نفسه. فكل التطورات التي يشهدها العالم لن تكون ذات قيمة إذا لم نستخدمها في بناء إنسان أكثر وعيًا ومسؤولية.

قد تتغير الكتب، وتتطور الفصول، وتدخل أدوات جديدة إلى المدرسة، وربما تصبح بعض المهام التي يؤديها الإنسان اليوم من اختصاص الآلة غدًا، لكن تبقى الحاجة إلى الإنسان القادر على الاختيار، وتحمل المسؤولية، واحترام الآخرين، وخدمة مجتمعه.

خاتمة: ما الذي يبقى بعد المدرسة؟

بعد هذا الحوار، بقيت لديّ أسئلة جديدة أكثر من تلك التي بدأت بها. لكنني أدركت أن التعليم لا ينبغي أن يُقاس فقط بما يحفظه الطالب، ولا بعدد الشهادات التي يحصل عليها، وإنما بما يصبح عليه بعد سنوات الدراسة.

فالمدرسة التي تعلّم الطالب كيف يحل مسألة قد تمنحه معرفة، لكن المدرسة التي تعلّمه كيف يفكر تمنحه أداة للحياة. والمدرسة التي تؤهله للامتحان تساعده على عبور مرحلة، أما المدرسة التي تبني شخصيته فتساعده على عبور المستقبل.

وربما لهذا، حين تنتهي الكتب وتُغلق دفاتر الامتحانات، لا يبقى من المدرسة عدد الدروس التي حفظناها فقط، بل يبقى المعلم الذي أثر فينا، والقيمة التي تعلمناها، والسلوك الذي أصبح جزءًا منا، والقدرة التي اكتشفناها في أنفسنا.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا تعلمنا في المدرسة؟

بل: ماذا أصبحنا بفضل ما تعلمناه؟