مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في  عيون الغريب

قصة بعنوان:    في  عيون الغريب

 

✍️ الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

في أحد الأحياء الهادئة داخل مدينة كبيرة، كان يعيش رجل في بداية شبابه يُدعى يوسف،
شاب هادئ الطباع، قليل الكلام، يفضل الصمت أكثر من الدخول في نقاشات طويلة،
ليس لأنه لا يملك ما يقوله، ولكن لأنه تعود أن يُقابل كلامه بعدم اهتمام أو نقد مستمر.

منذ طفولته، تشكلت داخله صورة خاصة عن نفسه،
صورة لم يصنعها هو، بل صنعتها الكلمات التي سمعها يومًا بعد يوم داخل بيته.
كلمات مقارنة، نقد، وتصحيح دائم، حتى في أبسط الأمور.

كان يسمع دائمًا:
“انظر لغيرك كيف نجحوا”
“لماذا لا تكون مثل فلان؟”
“أنت تحتاج أن تبذل مجهودًا أكبر”

ومع الوقت، لم تعد هذه الجمل مجرد كلمات عابرة،
بل أصبحت صوتًا داخليًا يرافقه في كل خطوة.

كبر يوسف وهو يظن أن الحب مشروط،
وأن القبول لا يأتي إلا بعد إثبات مستمر،
وأن قيمته مرتبطة دائمًا برأي الآخرين فيه.

في دراسته، كان يحقق نجاحات متوسطة إلى جيدة،
لكن أي إنجاز كان يُقابل ببرود أو تقليل من شأنه،
فبدأ يشعر أن ما يفعله لا يكفي أبدًا.

وفي البيت، لم يكن هناك حوار حقيقي،
بل تعليمات، أو أوامر، أو نقد متكرر دون استماع حقيقي لمشاعره.

مع مرور السنوات، بدأ يوسف ينسحب تدريجيًا،
لا يشارك تفاصيل يومه، لا يتحدث عن نجاحاته،
حتى مشاعره الإيجابية أو السلبية احتفظ بها لنفسه.

أصبح يعيش بهدوء زائد عن الحد،
يراقب أكثر مما يشارك،
ويفكر أكثر مما يتكلم.

وفي مرحلة الشباب، بدأ يدخل سوق العمل بشكل بسيط،
حيث كان يحاول أن يثبت نفسه في كل مكان يذهب إليه،
لكن داخله كان دائمًا يشعر أنه غير كافٍ.

في أحد الأيام، في مكان عمله الجديد،
التقى بشاب اجتماعي بسيط في التعامل،
كان يتحدث مع الجميع بسهولة ويمنح كلمات تشجيع دون تكلف.

وفي لحظة عادية جدًا،
رآه ذلك الشاب وهو يقوم بعمله بهدوء ودقة،
فقال له بابتسامة بسيطة:

“إنت شغلك مرتب جدًا… واضح إنك مركز وبتفهم اللي بتعمله”

كانت جملة عادية جدًا بالنسبة لأي شخص آخر،
لكنها وصلت ليوسف بشكل مختلف تمامًا.

لأول مرة منذ فترة طويلة،
يشعر أن أحدًا يراه فعلًا،
ليس كرقم أو موظف، بل كإنسان.

من هنا بدأت نقطة تحول داخلية صغيرة،
لم تكن واضحة للآخرين، لكنها كانت كبيرة بداخله.

بدأ يوسف ينتبه لفكرة جديدة:
أن هناك من يقدّر ما يفعله دون شروط،
وأن رأي الناس قد يختلف، وليس كله حقيقة ثابتة.

لكن رغم ذلك، ظل داخله صراع قديم،
بين الصورة التي تربى عليها،
وبين شعوره الجديد الذي لم يعتد عليه بعد.

في حياته اليومية، كان يحاول أن يتصرف بطريقة ترضي الجميع،
في العمل يريد أن يكون الأفضل دائمًا،
وفي العلاقات الاجتماعية يحاول أن يبدو مناسبًا لكل المواقف،
حتى لو كان ذلك على حساب راحته الداخلية.

ومع الوقت، بدأ يشعر بالإرهاق النفسي،
ليس بسبب عمله، بل بسبب محاولته المستمرة لإرضاء الجميع.

في المقابل، داخل أسرته،
لم يتغير الكثير في البداية،
ما زالت نفس الطريقة في الحديث،
نفس المقارنات، ونفس النظرة النقدية للأمور.

لكن يوسف هذه المرة كان مختلفًا قليلًا،
ليس في ردوده، ولكن في إحساسه الداخلي،
بدأ يدرك أن المشكلة ليست دائمًا فيه.

بدأ يسأل نفسه لأول مرة:
لماذا أشعر أنني غير كافٍ رغم أنني أحاول؟
لماذا لا أستطيع الشعور بالراحة حتى عندما أنجح؟

هذه الأسئلة فتحته على مرحلة جديدة من التفكير،
مرحلة لم يكن معتادًا عليها من قبل.

بدأ يقرأ عن النفس البشرية،
ويفهم فكرة التقدير الذاتي،
وأن الإنسان لا يُقاس فقط بآراء الآخرين.

ومع الوقت، قرر أن يغيّر طريقة تعامله مع نفسه،
ليس بشكل مفاجئ، ولكن تدريجيًا.

بدأ يقلل من محاولته المستمرة لإرضاء الجميع،
ويتعلم أن يقول “لا” أحيانًا،
وأن يختار ما يناسبه هو، وليس ما يرضي الآخرين فقط.

في البداية كان الأمر صعبًا جدًا عليه،
لأنه تعود سنوات طويلة على العكس تمامًا،
لكن مع التكرار بدأ يشعر بشيء مختلف،
شيء يشبه الراحة الداخلية.

وفي إحدى الفترات، حدث حوار هادئ داخل الأسرة،
لم يكن صاخبًا ولا مليئًا باللوم،
بل كان أقرب إلى الصراحة بعد سنوات طويلة من الصمت.

عبّر يوسف عن شعوره،
ولأول مرة، لم يكن الهدف هو الدفاع،
بل الفهم.

ومع مرور الوقت، بدأت الأمور تتغير بشكل تدريجي داخل البيت،
ليس بشكل كامل وسريع، ولكن بخطوات صغيرة،
محاولات للاستماع أكثر، وتقليل النقد، وفهم المشاعر بدل تجاهلها.

أما يوسف، فقد بدأ رحلة جديدة مع نفسه،
رحلة تعلم فيها أن قيمته لا تعتمد على عيون الآخرين،
ولا على كلمات الإعجاب المؤقتة،
بل على فهمه الحقيقي لنفسه.

تعلم أن الإنسان يمكن أن يتغير،
ليس لأنه كان سيئًا،
بل لأنه لم يكن مفهومًا بشكل صحيح من البداية.

وفي النهاية، لم تعد حياته تبحث عن إثبات مستمر،
بل أصبحت أقرب إلى محاولة للسلام الداخلي،
بعيدًا عن الضوضاء، وقريبًا من نفسه.

لأن أخطر ما يمكن أن يعيشه الإنسان،
ليس أن يُنتقد من الآخرين،
بل أن يعيش عمره كله وهو لا يعرف كيف يرى نفسه خارج عيونهم.