مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

وجودُ النِّعَمِ كالعَدَم بقلم أمل إسماعيل أحمد

وجودُ النِّعَمِ كالعَدَم
للكاتبة امل اسماعيل احمد

ما قيمةُ الصلاحيات إذا بقيت حبيسةَ الأيدي، وما نفعُ الإمكانات إن لم يجد صاحبها سبيلًا إلى الانتفاع بها؟ فكم من إنسانٍ أفنى عمره في جمع المال، وأرهق نفسه في السعي والعمل، حتى امتلأت خزائنه، ثم عاش بقلب الفقير وهيئة المحتاج، يكتفي بأبسط الطعام، ويرتدي الثوب المرقّع، وكأن ما جمعه لم يكن يومًا ثمرةَ جهدٍ أو تعب، وجعله غاية لا وسيلة.

إن الأشياء لا تكتسب قيمتها من امتلاكها فحسب، بل من حسن توظيفها والانتفاع بها. فما جدوى العلم إذا ظلّ حبيس الأوراق، وما فائدة الحكمة إذا لم تُهذّب السلوك، وما نفع السلطة إذا لم تُسخَّر لخدمة الناس؟ إن القيمة الحقيقية لكل نعمةٍ تكمن في أثرها، لا في وجودها المجرد.

وكثيرًا ما يظنّ المرء أن الغاية تكمن في الجمع والادّخار، فيقضي أيامه يكدّس الأموال والفرص والقدرات، ناسِيًا أن العمر أقصر من أن يُهدر في عدِّ ما نملك دون أن نذوق ثماره. فالبستان الذي لا يُقطف زرعه، والمصباح الذي لا يُضيء ظلمةً، والنهر الذي لا يروي عطشًا، كلّها أشياء فقدت معناها وإن بقيت على حالها.

لقد وهب الله الإنسان نعمًا لا تُحصى، وجعل لكل نعمةٍ رسالةً تؤدّيها، فلا ينبغي أن تتحوّل الإمكانات إلى قيود، ولا أن تصبح الصلاحيات زينةً خاويةً من الفائدة. فليست العبرة بما في أيدينا، بل بما نصنعه به، لأن النعمة التي لا يُنتفع بها تشبه كنزًا مدفونًا؛ يملكه صاحبه، لكنه لا يشعر بغناه، ولا يترك أثرًا في حياته أو حياة من حوله.