مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الكتب التي تغيّرنا… لا التي نقرأها فقط

بقلم الكاتبة: داليا فرج الطواب

هناك كتبٌ نقرأها ثم نغلقها ونعود إلى حياتنا كما كنا تماماً، وهناك كتبٌ نغلق صفحاتها، لكنها تظل مفتوحة ومشتعلة داخلنا.

قد ننتهي من قراءة عشرات الكتب، ونتذكر عناوينها وربما بعض تفاصيلها، ثم تمر الأيام ونكتشف أننا لم نعد نتذكر منها شيئاً يُذكر. وفي المقابل، قد نقرأ كتاباً واحداً في وقتٍ معين من حياتنا، فيترك في أعماقنا سؤالاً لا يغادرنا، أو يغيّر جذرياً نظرتنا إلى أنفسنا، أو يجعلنا نرى شيئاً اعتدنا رؤيته بطريقة مختلفة تماماً.

فالكتاب الحقيقي لا يُقاس مطلقاً بعدد صفحاته التي قرأناها، وإنما بما تركته أفكاره وصفحاته فينا.

أبعاد التأثير العميق في النص

هناك كتب تمنحنا معرفة، وكتب تمنحنا لغة ورصيداً، وكتب تفتح أمامنا أبواباً جديدة للتفكير والتأمل.

لكن أعمق الكتب تأثيرًا هي تلك التي تجعلنا نعيد النظر في شيء كنا نظنه محسوماً، أو تواجهنا بحقيقة كنا نهرب منها طويلاً، أو تمنحنا الكلمات التي عجزنا كثيراً عن العثور عليها لتوصيف مشاعرنا.

وأحياناً لا يأتي الكتاب إلينا في الوقت الذي نختاره، بل في الوقت الذي نحتاج إليه تماماً.

القراءة من نافذة الذات والتجربة

قد نقرأ نصاً عن الفقد فيمر بنا عابراً، ثم نعود إليه بعد سنوات فنشعر وكأن الكاتب كان يعرف ما سنمر به بالدقة ذاتها.

وقد نقرأ عن الخوف فنكتشف أننا لم نكن نخاف من الفشل كما كنا نظن، بل من نظرة الآخرين إلينا. وقد نقرأ عن التسامح فنفهم للمرة الأولى أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى إجابة، بقدر ما تحتاج إلى أن نتركها تمضي بسلام.

لهذا السبب، لا تكون علاقتنا بالكتب واحدة طوال حياتنا. فالكتاب نفسه قد يكون عادياً بالنسبة إلينا اليوم، وعميقاً جداً بعد سنوات. نحن لا نقرأ الكتاب فقط، بل نقرأه من خلال الإنسان الذي أصبحنا عليه في تلك اللحظة تحديداً.

التغيير الصامت وسحر الأثر

وهنا يكمن سحر القراءة الأصيل؛ أنها لا تضيف شيئاً إلى ذاكرتنا فحسب، بل قد تضيف شيئاً حقيقياً إلى شخصيتنا وتكويننا.

قد يمنحنا كتابٌ ما شجاعة اتخاذ قرار حاسم، أو قدرة على فهم شخص نختلف معه، أو وعياً بجانب من أنفسنا لم نكن نراه من قبل. وقد تجعلنا جملة واحدة نتوقف طويلاً أمام سؤال لم نفكر فيه أبداً.

والأجمل أن بعض الكتب لا تغيرنا بطريقة مفاجئة أو صارخة؛ فلا نستيقظ في اليوم التالي أشخاصاً مختلفين كلياً، لكن شيئاً ما يتغير ببطء وعمق في الداخل:

 تتغير طريقة نظرنا للأشياء.

 تتغير أسئلتنا واختياراتنا.

 تتغير الأشياء التي نقبلها أو نرفضها.

وبعد سنوات، نكتشف أن كتاباً قرأناه ذات مساء كان أحد الأسباب الصغيرة والخفية التي صنعت الإنسان الذي أصبحناه اليوم.

السؤال الحقيقي بعد كل قراءة

ولذلك، ربما لا ينبغي أن نسأل أنفسنا بعد كل كتاب: “ماذا قرأت؟”، بل أن نسأل بوعي: “ماذا تغيّر في داخلي بعد أن قرأته؟”

فليست كل قراءة تحولاً، وليست كل صفحة أثراً، وليس كل كتاب يستحق أن نحمله معنا بعد أن نغلقه.

بعض الكتب نقرأها لننساها، وبعضها نقرأه فينسى العالم من حولنا للحظات، أما القليل جداً منها… فنقرأه، ثم نكتشف أنه قرأ أنفسنا بين سطوره.

خاتمة ورسالة:

وربما يكون أعظم ما يمكن أن يفعله كتاب في حياة إنسان، ألا يمنحه إجابة جاهزة ومريحة، بل أن يعلّمه كيف يطرح السؤال الصحيح.

فالكتاب الذي يغيّرنا حقاً ليس هو الكتاب الذي ننتهي من قراءته، بل الكتاب الذي يبدأ في قراءتنا بعد أن نغلق صفحته الأخيرة.

meritking   meritkin   meritking   grandpashabet   meritking   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet