مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مؤنسة غالية بقلم بلال حسان الحمداني 

مؤنسة غالية بقلم بلال حسان الحمداني 

 

في السادس من آب عام 2021، أطلّت مؤنسة غالية على بيت عمي “أبي حسام”، لتكون القارورة الثالثة في البيت. سمّاها “روعة” كما تحب جدتي الحنون، وكان لها من اسمها أوفر النصيب.

كنت آنذاك في إسطنبول، وبعد شهر ونصف يمّمت شطري شطر قونيا لألج أبواب الجامعة. من طبيعتي أنني لا أميل إلى الأطفال في هذا السن، لكن ما إن كبرت أشهراً وغدت تزحف، حتى كان زحفها إلى حضني. كنت أنظر إلى وجهها المستدير كأنه البدر ليلة تمامه، وإلى جسدها الصغير الممتلئ، فأطلقت عليها اسم “البطة”. تعلقتُ بها وتعلقتْ بي، وكانت أولى خطواتها في أيلول عام 2022. ولكن شاء الله أن تُقيَّد حريتي آنذاك في السجن الذي قضيت فيه أربعة أشهر ونصف. وحينما خرجتُ، وجدتها قد نَحِل جسدها، وكلما اقتربتُ منها أعرضت عني وكأنها نسيتني؛ فألمني ذلك. لكن لم تمضِ فترة طويلة حتى عادت الألفة بيننا، وغدت الأحبَّ إلى قلبي؛ ببراءتها التي تذيب القلب، ودلالها الذي يأسر الروح، ونبرتها الحانية التي تبدد القسوة.

كنت آنذاك أعيش في وحشة الحب الشقي الذي استُنزفت فيه، فولدت عندي رغبة جامحة للأبوة. وما إن فارقني ذلك الحب وتلاشت الأحلام الوردية التي رسمتها، حتى كانت هي عزائي. زاد قربها مني وتعلقها بي، حتى أمست لا تغفو إلا في حضني. وكم من مرة انكبت على صدري وراحت في سبات عميق، ولم يكن يطاوعني قلبي أن أوقظها، فتقضي وقتاً طويلاً مستلقية على جسدي؛ ولم تكن تعلم أنني أنا من كان بحاجة إلى هذا الدفء في خضم وحشتي، وأنها مَن تبدد تلك الوحشة التي سكنت روحي.

كلما كبرت، كبر حبي لها. ولشدة رقتها وحنوها، صرت أخشى عليها من هذا العالم القاسي، الذي يعيش فيه أمثال هؤلاء منكسرين مجروحين. ولفرط تلك الرقة، كانت تبكي من أية نظرة قاسية، ولطالما هرولت إليّ راكضة، ودموعها تسبق كلماتها، تشتكي اعتداء أحد إخوتها عليها. وفي الوقت ذاته، هي شديدة الدلال والتغنج، لا تبرح تتدلل وتثرثر بما تطلب. وكان عمي يقول عنها: “تعرف نقطة ضعفي حينما تطلب هاتفي فأمتنع، فتستعطفني بنظرة”.

أما أنا، فلا شيء أحب إلى قلبي من همسها: “بلول، ارفعني إلى الأعلى، اشترِ لي..”. ولقد علمتها حينما أسألها: “أنتِ بنوتة مَن؟”، فترد: “بنوتة بلول”. كم وقفتُ مدافعاً عنها وعن أخواتها الثلاث! وكم صيّرني الحب لأهب كلي للمؤنسات الغاليات في صغرهن وكبرهن! فالأنثى تحتاج إلى الحنو، والرقة، والاهتمام، والرعاية؛ لتعيش مكتفية، ولا تتسول ما ذُكر حينما تكبر إن فقدته في طفولتها من أبيها أو أخيها. لذا كان النبي ﷺ يقوم لفاطمة حباً لها واحتراماً، ولم يُكرم الإسلام النساء عبثاً، ولم يقف النبي ﷺ في خطبة وداعه ليوصي بالنساء خيراً عن عبث. فلحا الله أقواماً ما زالت الآية القرآنية تصف حالهم: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ}. فلا يصير الأب أباً، ولا تكتمل أبوته، ما لم تكن له ابنة تملأ بيته أُنساً وعطفاً، وربما كبرت وتخلى عنه الأولاد، فينقلب الدور لتكون ابنته هي أمه التي ترعاه، والأمثلة كثيرة.

أبتهل إلى الله لها بعمر مديد، وأن تهبها الحياة حنواً كما هي حنونة، وألا تذيقها من كأس قسوتها المرير. فاللهم عيشاً هانئاً مطمئناً في بحبوحة الحب والسعادة لها، واللهم أنبتها نباتاً حسناً، واجعلها من الصالحات البارّات التقيّات الطاهرات العفيفات. جعلكِ الله ممن طال عمرهم وحَسُن عملهم.

بلال.. الذي يحبكِ، وأعطيتِه شعور الأبوة قبل أن يصير أباً.. فإن مضيتُ، فاذكريني

قونيا 6/8/2026

meritking   meritkin   meritking   grandpashabet   meritking   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet