مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

المولد النبوي الشريف: عودة النفس إلى نور النبوة

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

في خضم هذا العصر المزدحم بالضجيج والتسارع، تقف النفس الإنسانية على مفترق طرق. بين ضغوط المعيشة، وسباق الإنجاز، وضبابية المعنى، تبدو القلوب مثقلة، والأرواح متعبة، وكأننا نسير بلا بوصلة.

وهنا تأتي ذكرى المولد النبوي الشريف؛ لا كمناسبة عابرة في روزنامة الأيام، بل كمحطة نورانية سنوية تعيد للنفس توازنها، وللروح سكينتها، وللعقل بوصلة الهدى.

إنها دعوة صريحة للعودة، لا إلى الماضي بوصفه حنيناً، بل إلى النموذج الذي لا يبلى، وإلى النور الذي لا يخبو: نور النبوة.

النفس المعاصرة بين الإرهاق والبحث عن المعنى

أثبتت دراسات علم النفس الإيجابي الحديث أن الإنسان المعاصر يعاني مما يسمى “الإرهاق الوجودي”؛ وهو شعور بالفراغ رغم الامتلاء، وبالتعب رغم الراحة، وبالتشتت رغم كثرة الخيارات. ويرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية:

1. غياب المعنى.

2. غياب القدوة المتكاملة.

3. الانفصال عن مصدر طمأنينة ثابت.

وقد جاء الإسلام بحل شامل لهذه الثلاثية:

 المعنى نجده في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

 الطمأنينة نجدها في الذكر والصلاة.

 القدوة تجلت في شخص واحد جمع الكمال البشري في صورته العملية: محمد بن عبد الله ﷺ.

يقول الحق سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. والأسوة في اللغة هي النموذج الذي يُحتذى في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء. فالمولد النبوي يذكرنا بأن هذا النموذج حاضر دائماً، وأن العودة إليه ممكنة.

نور النبوة بلسم لأمراض النفس

إذا نظرنا إلى سيرة النبي الكريم بعيون معاصرة، وجدناها منهجاً متكاملاً للصحة النفسية:

 فحين يضرب القلق أطنابه في القلوب، يعلمنا النبي التوكل الحقيقي حين قال: “اعقلها وتوكل”.

 وحين يستبد الغضب بالإنسان، يرسم له طريق الحلم في قوله: “ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”.

 وحين يضرب الوهن والوحدة النفس، نجد النبي يتفقد أصحابه، ويسأل عن الغائب، ويعود المريض، ويواسي الصغير.

هذه الممارسات ليست عاطفة فحسب، بل هي وفق ما يقرره العلم اليوم من مقومات الدعم الاجتماعي الذي يعزز هرمونات الترابط ويقلل من الشعور بالعزلة والاكتئاب.

إن العودة إلى نور النبوة تعني إعادة برمجة النفس على معاني الرحمة بدل القسوة، واليقين بدل الشك، والعطاء بدل الأخذ.

الاحتفال الحقيقي: من المظاهر إلى الجوهر

اعتاد كثير من الناس أن يحصروا الاحتفال بالمولد في المظاهر: الحلوى، الأناشيد، والزينة. وهي أمور حسنة إذا اقترنت بالجوهر. ولكن النبي ﷺ علمنا معنى الاحتفال الحقيقي حين سئل عن صيام يوم الاثنين فقال: “ذلك يوم ولدت فيه”.

فالاحتفال هو اقتداء، والذكرى هي تجديد عهد. إنها فرصة لنسأل أنفسنا:

 أي خلق من أخلاقه سنحيي هذا العام؟

 أي سنة من سننه سنتعلمها؟

 أي معاملة قاسية سنبدلها برحمة؟

فالعلم الحديث يؤكد أن بناء العادة يحتاج إلى تكرار ونية صادقة. وشهر المولد بما فيه من شحن إيماني هو بيئة مثالية لزرع عادة جديدة: عادة الشكر، أو عادة الصدق، أو عادة جبر الخواطر.

أثر النور على الفرد والمجتمع

إن الأسرة التي تحكي لأبنائها سيرة النبي في المولد، هي أسرة تغرس فيهم قيم الرحمة والصدق والأمانة. والمؤسسة التي يتذكر مديرها قول النبي: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، هي مؤسسة تتحول من بيئة تنافس إلى بيئة تعاون.

فالنور النبوي لا يخص الفرد وحده، بل ينتقل كالعدوى الإيجابية: يبدأ من القلب فينعكس على اللسان، ومن اللسان إلى البيت، ومن البيت إلى المجتمع. وحين يعود المجتمع إلى نور النبوة، تقل فيه الخصومة، وتزيد فيه المروءة، ويعود الناس إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها.

خاتمة: إلى النور نعود

لن تتوقف الدنيا عن الجري، ولن تختفي التحديات. ولكن بإمكاننا أن نقوى من الداخل، وبإمكاننا أن نشحن أرواحنا من منبع لا ينضب.

والمولد النبوي الشريف هو ذلك المنبع. هو تذكير بأن الطريق إلى السكينة مرسوم، وأن الدواء موجود، وأن القدوة حية في سيرتها.

فلنجعل من هذه الذكرى بداية جديدة؛ نعود فيها من قسوة الحياة إلى رحمة النبوة، ومن ضيق الأفق إلى سعة الإيمان، ومن الأنا إلى النحن.

﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.

فاللهم أخرجنا بنور نبيك من ظلمات أنفسنا إلى نورك.