بقلم: وهيبة جمال عبد الكريم
“الوقت لا يتسع لما نريد إنجازه”
“الفرص قليلة”
“الظروف لا تساعدنا”
نكثر من الشكوى، نردد هذه العبارات حتى تتسلل إلى داخلنا دون أن نشعر، فتغدو مع الوقت جزءًا من قناعاتنا، بل تترسخ في داخلنا حتى تصبح تفسيرًا جاهزًا لكل إخفاق.
نقولها ونحن نركض بين الالتزامات، نفتح هواتفنا بلا سبب، نغرق في التمرير، نؤجل، ثم نؤجل أكثر… ما نعرف أنه مهم نرحّله إلى “غد” لا يأتي كما نريد.
ليس لأننا كسالى كما نظن، بل خوفًا من المواجهة.
الهروب من السؤال الصعب
نخاف من فكرة لم نجرؤ على تنفيذها، أو قرار قد يغيّر مسار حياتنا، أو حتى من سؤال صادق:
هل أنا راضٍ عما أعيشه؟
هذا السؤال تحديدًا ليس سهلًا؛ لأنه إن كانت الإجابة “لا”، فإنه يدفعنا قسرًا إلى حقيقة لا مفر منها: ضرورة التغيير. والتعيير مسؤولية لا يهرب منها إلا من اعتاد التأجيل.
لذلك نختار الطريق الأسهل: الهروب.
نملأ يومنا بضجيج لا ينتهي، نلهث بين إشعارات متتابعة وكلمات عابرة نلتقطها بلا وعي، فقط حتى لا نبقى وحدنا مع أفكارنا.
لكن ما لا ندركه أن كل دقيقة نهرب فيها هي حياة نؤجلها. وأن المواجهة رغم قسوتها، أرحم بكثير من تيه بطيء يلتهم العمر، ويلتقط الأحلام واحدًا تلو الآخر، ويبدد الفرص، ويترك الإنسان عالقًا في مكانه دون أن يتقدم خطوة واحدة.
اللحظة الصادقة: اتجاهك يصنع مصيرك
غير أن الوعي بهذا الواقع ليس النهاية، بل هو البداية الحقيقية التي تفتح باب عودة نحو حياة أكثر يقظة. حان الوقت لإسدال الستار على حقيقة لا تقبل الجدل: أن حياتنا لن تتغير ما لم نحرك مسارها نحن.
لا الوقت سيتسع من تلقاء نفسه، ولا الظروف ستنحني لرغباتنا، ولا الفرص ستنتظر حتى نقرر الاستعداد… نحن من نخلقها أو نضيعها.
في لحظة صادقة، بعيدًا عن الضجيج والأعذار، اسأل نفسك مجددًا:
إن استمر هذا النمط من حياتي كما هو، أين سأكون بعد سنة؟ بعد خمس؟ هل هذا حقًا ما أريده؟
إن كانت الإجابة “لا”… فلا تؤجلها هذه المرة. لا تجعلها فكرة جميلة تمر، بل اجعلها قرارًا… قرارًا قد لا يغير كل شيء اليوم، لكنه يغير اتجاهك، والاتجاه هو ما يصنع المصير.
تذكر دائمًا: لسنا أسرى ظروفنا بقدر ما نحن أسرى تكرارنا.
وما دمت قادرًا على أن تبدأ، فأنت قادر على أن تتغير.
كيف تكسر الدائرة اليوم؟
ابدأ الآن، ولو بخطوة خجولة، ولو بمحاولة غير مكتملة، ولو بنية صادقة فقط… لكن ابدأ.
1. العزلة الواعية: اجلس مع نفسك دون هاتف، بعيدًا عن كل ما يشتت انتباهك، ولو لعشر دقائق فقط. ستشعر بالانزعاج في البداية وبرغبة في الهروب كأنك تسحب نفسك من مكان مريح لكنه يستنزفك… تحمل ذلك.
2. التشخيص المباشر: اسأل نفسك بوضوح: ما الشيء الذي أؤجله وأنا أعلم أنه مهم؟ لا تبحث عن إجابة مثالية، خذ أي شيء يخطر ببالك وابدأ به… ليس غدًا، بل الآن.
3. كسر النمط: حتى لو كانت محاولة صغيرة جدًا (كلمة تكتبها، مكالمة مؤجلة، مهمة بسيطة، رسالة لم ترسل)… المهم أن تكسر دائرة “سأفعل لاحقًا”.
4. التكرار اليومي: كرر ذلك كل يوم… خطوة صغيرة لكنها حقيقية.
مع الوقت ستكتشف شيئًا غريبًا: أنت لم تكن بحاجة إلى وقت أكثر، بل إلى شجاعة أقل ترددًا وأصدق فعلًا.
تجربة ذاتية: عقدان من الانتظار والعودة
أعرف هذا لأنني عشته.
مرت سنوات طويلة، تأجلت خلالها خطوة أعلم يقينًا ضرورتها. لم يكن عجزًا ولا نقصًا في الفرص، بل صوتًا خافتًا يهمس دائمًا: “ليس الآن”.
وهكذا مر العمر… لا عامًا ولا عامين، بل عقدان كاملان.
كنت أرى الوقت يمضي، وأدرك في أعماقي أنني أخسر شيئًا ثمينًا لا يعوض، ومع ذلك كنت أبتعد عن المواجهة وأقنع نفسي بأن الفرصة ما تزال تنتظرني في وقت لاحق.
إلى أن وقفت أخيرًا أمام حقيقتي؛ حيث لا أعذار تنقذني ولا تأجيل يحميني. لم تكن لحظة استثنائية، بل مواجهة صادقة حاسمة، اتخذت فيها قراري بوضع حد لهذا التردد والإتيان بالتنفيذ مهما بدا الوقت متأخرًا.
عدت إلى الجامعة، بين طلاب يصغرونني بسنوات طويلة، بل إن بعضهم كان في عمر ابني الأكبر.
كان المشهد غريبًا في البداية وربما قاسيًا، وكانت الحسرة تثقل صدري: كيف تركت هذه السنوات تمضي؟
لكنني هذه المرة لم أتوقف عند مرارة ما فات، بل جعلتها وقودًا للاستمرار… ليس لأن الطريق كان سهلًا، بل لأنني قررت أخيرًا أن أستعيد ما كان مؤجلًا من حياتي.
نعم… تأخرت.
نعم… ضاع وقت لا يستهان به.
لكن الأهم… أنني لم أستسلم لذلك المسار المتأخر.
خاتمة:
في النهاية، الحياة لا تنتظر أحدًا، والفرص الحقيقية لا تحتجز إلى الأبد. التأجيل قد يبدو مريحًا للحظة، لكنه يسرق منك سنوات العمر، ويبدد أحلامك، وربما يفقدك ذاتك.
لقد رأينا كيف يبدأ التأجيل صغيرًا، ثم يتسع حتى يتركنا في الدائرة نفسها دون خروج، بينما يمضي العمر دون أن نشعر. ورأينا أيضًا أن التحرر منه ليس مستحيلًا، بل يبدأ بقرار بسيط لكنه صادق: أن نكف عن الانتظار غير المبرر، وأن نمنح أفعالنا فرصة للدخول في التنفيذ.
فالمشكلة لم تكن يومًا في الوقت، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه.
ولذلك يبقى الدرس الأهم: أن ندرك أن التأجيل ليس مساحة آمنة كما نظن، بل دائرة لا تفتح أبوابها إلا لمن يقرر كسرها.
ابدأ الآن، لأن اليوم وحده هو ما تملكه، وغدك لن يُصنع إلا بما تقرره وتفعله اليوم.






المزيد
أكتوبر ليس ذكرى.. إنه نبض في كل بيت مصري
أمانةٌ في أعناقكم: كفّوا أيديكم عن أطفالنا
حينما يكونُ الثباتُ صرخةَ ألمٍ صامتة