مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الفصل الخامس : الجدار الذي نشأ في الداخل بقلم الكاتب هاني الميهي

الفصل الخامس

الكاتب هاني الميهي

الجدار الذي نشأ في الداخل

 

من كتاب

وجع خفي

لم تبنِ النفس جدارها في يوم واحد.

 

بدأ الأمر بحذر صغير؛ كلمة لم تُقل، ومسافة زائدة، ويد تراجعت قبل أن تمتد. ثم جاءت مواقف أخرى، كل واحد منها أضاف حجرًا جديدًا، حتى أصبح الجدار موجودًا دون أن يتذكر أحد متى بدأ.

 

كانت النفس ترى الإنسان يقترب من الأشياء ثم يتوقف.

 

فرصة جديدة، فيحسب الخسارة قبل المكسب. علاقة دافئة، فيبحث عن اللحظة التي ستتغير فيها. شخص صادق، فيترك بينه وبينه مسافة احتياطية.

 

لم يكن يرفض الحياة.

 

كان فقط لا يسمح لها بالاقتراب كثيرًا.

 

 

—

 

في العمل، كان الجدار أكثر هدوءًا.

 

لا يطلب مساعدة، حتى حين يثقل عليه الأمر. لا يعترض إلا بعد أن يتأكد أن الاعتراض لن يسبب مشكلة. يفضل إنجاز المهمة وحده، لأن الاعتماد على الآخرين يحمل في ذاكرته احتمالًا قديمًا للخذلان.

 

كان يبدو مستقلًا.

 

والنفس تعرف أن الاستقلال شيء، وعدم القدرة على الاتكال شيء آخر.

 

لكن الفارق لا يظهر بسهولة.

 

 

—

 

وفي العلاقات، كان الجدار أكثر ارتفاعًا.

 

حين يقترب أحد، تمنح النفس قدرًا محسوبًا من الثقة، ثم تتوقف.

 

لا أسرار كاملة.

 

لا احتياج واضح.

 

لا تعلق يسمح للغياب بأن يؤلم كثيرًا.

 

كان الإنسان يظن أنه بذلك يحمي نفسه.

 

لكن النفس كانت ترى شيئًا آخر؛ كان يحمي نفسه من الألم، ويحرم نفسه معه من الطمأنينة التي لا تأتي إلا مع قدر من الانكشاف.

 

فلا يمكن للقلب أن يستقبل الأمان وهو يغلق أبوابه كلها.

 

 

—

 

ومع ذلك، لم يكن الجدار عدوًا.

 

في وقت ما، كان ضرورة.

 

لقد نشأ لأن شيئًا في الداخل احتاج إلى الحماية.

 

المشكلة لم تكن في وجوده، بل في أن النفس نسيت أن تسأل: هل ما زال الخطر موجودًا؟

 

فبعض الحواجز تُبنى لحماية جرح، ثم تستمر في حماية الجرح حتى بعد أن يلتئم.

 

وحينها لا يعود الجدار يحمي الإنسان من العالم.

 

يمنع العالم من الوصول إليه.

 

 

—

 

في مساء هادئ، جاءت يد من الخارج.

 

لم تدفع الباب.

 

لم تطلب الدخول.

 

فقط بقيت هناك.

 

انتظرت.

 

لأول مرة، لم تشعر النفس بالحاجة إلى رفع الجدار أكثر.

 

ظلت تراقب.

 

ثم تحرك حجر صغير من مكانه.

 

لم يسقط الجدار.

 

لكنه لم يعد مغلقًا تمامًا.

 

وكان ذلك كافيًا لتدخل منه مساحة ضوء.

 

لأن النفس، في النهاية، لا تحتاج إلى هدم كل ما بنته كي تعيش.

 

أحيانًا يكفي أن تترك فيه نافذة.