مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنت لا تحتاج دائمًا إلى المزيد بقلم الكاتب هانى الميهى 

أنت لا تحتاج دائمًا إلى المزيد

بقلم الكاتب هانى الميهى 

 

مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟

 

الفصل الثامن

 

 

كان يجلس أمام هاتفه فى نهاية كل شهر، يراجع حساباته.

 

لم يكن فقيرًا.

 

هذه حقيقة لم يكن يحب الاعتراف بها بسهولة.

 

كان لديه بيت.

 

وسيارة.

 

وعمل جيد.

 

ودخل يكفيه.

 

وأشياء كثيرة كان يتمنى امتلاكها قبل سنوات، ثم امتلكها ونسي أنه كان يحلم بها.

 

ومع ذلك…

 

كان يشعر دائمًا أنه متأخر.

 

ينظر إلى شخص اشترى سيارة أحدث.

 

فيقول:

 

«ربما أحتاج إلى واحدة أفضل.»

 

يرى صديقًا حصل على منصب أعلى.

 

فيقول:

 

«يجب أن أتقدم أكثر.»

 

يفتح مواقع التواصل.

 

يرى سفرًا.

 

ومطاعم.

 

وبيوتًا.

 

ومشروعات.

 

وحفلات.

 

وحياة تبدو كاملة فى الصور.

 

فيغلق الهاتف…

 

ثم ينظر إلى حياته وكأنها أقل.

 

لم يكن ينقصه شيء واضح.

 

لكنه كان يشعر بالنقص دائمًا.

 

 


 

ربما لم تكن مشكلته أنه لا يملك.

 

ربما كانت المشكلة أنه لا يعرف متى يكفيه ما يملك.

 

وهذه مسألة مختلفة تمامًا.

 

أن تحتاج شيئًا ثم تسعى إليه، هذا طبيعى.

 

لكن أن تحصل عليه، ثم يتحول فورًا إلى شيء عادى لا تشعر بقيمته، وتبدأ فى مطاردة الشيء التالى…

 

فهنا لا تعود تطارد احتياجًا.

 

أنت تطارد شعورًا.

 

شعور أنك أخيرًا أصبحت كافيًا.

 

لكن ذلك الشعور لا يأتى.

 

لأنك جعلت الأشياء مسؤولة عن منحك قيمة لا تستطيع الأشياء أن تمنحها.

 

 


 

قد يقول شخص:

 

«أنا أريد المزيد لأننى طموح.»

 

وهذا صحيح أحيانًا.

 

فالطموح ليس عيبًا.

 

أن تريد أن تتعلم أكثر.

 

أن تطور عملك.

 

أن تكبر مشروعك.

 

أن تحقق هدفًا جديدًا.

 

أن تترك أثرًا.

 

كل ذلك جميل.

 

لكن هناك فرقًا بين أن تسعى لأنك تريد النمو…

 

وأن تسعى لأنك تخاف أن تكون أقل من غيرك.

 

الاثنان قد يبدوان متشابهين من الخارج.

 

لكن الإنسان من الداخل يعرف الفرق.

 

 


 

الطموح يقول:

 

«أستطيع أن أكون أفضل.»

 

أما النقص فيقول:

 

«إذا لم أصبح أفضل من غيرى فأنا لا أساوى شيئًا.»

 

الطموح يفرح بالوصول.

 

أما النقص، فيحوّل الوصول إلى بداية جديدة للقلق.

 

تصل.

 

ثم تنظر إلى الأعلى.

 

تصل مرة أخرى.

 

ثم تجد من سبقك.

 

تزداد أرقامك.

 

ثم تخاف أن تنخفض.

 

تنجح.

 

ثم تخاف أن يعرف الناس أنك لم تعد بنفس النجاح.

 

وهكذا تصبح حياتك سباقًا لا خط نهاية له.

 

 


 

وقد لا يكون السباق مع أحد.

 

قد يكون مع نفسك القديمة.

 

وهذا أكثر إرهاقًا.

 

تقول:

 

«كان يجب أن أكون أفضل.»

 

«كان يجب أن أملك أكثر.»

 

«كان يجب أن أصل أسرع.»

 

«كان يجب أن أصبح معروفًا.»

 

«كان يجب أن أحقق هذا قبل هذا العمر.»

 

كلمة واحدة يمكن أن تسرق منك سنوات:

 

كان يجب.

 

لأنها تجعلك تنظر دائمًا إلى الحياة التى لم تحدث.

 

وتنسى الحياة التى تحدث الآن.

 

 


 

هناك رجل يعمل اثنتى عشرة ساعة يوميًا.

 

كلما طلب منه أحد أن يرتاح قال:

 

«أريد أن أؤمن مستقبل أولادى.»

 

جميلة الجملة.

 

لكن أولاده بدأوا يكبرون.

 

والبيت موجود.

 

والمال موجود.

 

والتعليم موجود.

 

لكن الأب نفسه لم يعد موجودًا بالقدر الكافى.

 

كان يؤمن المستقبل…

 

بينما يخسر الحاضر.

 

وقد لا يكون السؤال:

 

«هل تعمل كثيرًا؟»

 

بل:

 

«كم من حياتك مستعد أن تدفعه حتى تشعر أنك أصبحت آمنًا بما يكفى؟»

 

 


 

نحن نعيش فى عالم لا يقول لك «يكفى».

 

الإعلان لا يقول:

 

«لديك ما تحتاجه.»

 

بل يقول:

 

«أنت تحتاج هذا أيضًا.»

 

الهاتف الذى فى يدك يعمل.

 

لكن هناك إصدار جديد.

 

السيارة التى تقودها جيدة.

 

لكن هناك سيارة أكثر فخامة.

 

ملابسك مناسبة.

 

لكن هناك علامة تجارية أغلى.

 

بيتك مريح.

 

لكن هناك بيت أكبر.

 

حتى النجاح نفسه أصبح منتجًا.

 

عدد المتابعين.

 

عدد الإنجازات.

 

عدد الشهادات.

 

عدد الرحلات.

 

عدد الصور.

 

وكأن الإنسان لم يعد يعيش…

 

بل يعرض تقريرًا مستمرًا عن حياته.

 

 


 

وهنا يدخل الآخرون إلى القصة مرة أخرى.

 

قد لا تشترى شيئًا لأنك تحتاجه.

 

قد تشتريه لأنك لا تريد أن تكون أقل.

 

وقد لا تسافر لأنك تريد السفر.

 

قد تسافر لأن الجميع سافر.

 

وقد لا تنشر صورة لأنك سعيد.

 

قد تنشرها حتى يعرف الآخرون أنك سعيد.

 

والفرق بين الأمرين دقيق…

 

لكنه مؤلم.

 

لأنك عندما تبدأ فى عيش حياتك من أجل صورتها، تصبح الصورة أهم من الحياة.

 

 


 

وقد يحدث ذلك حتى فى العمل.

 

موظف حصل على ترقية.

 

فرح.

 

بعد أسبوعين، أصبحت الترقية عادية.

 

نظر إلى مدير أعلى منه.

 

فقال:

 

«أريد منصبه.»

 

حصل عليه بعد سنوات.

 

ثم نظر إلى الإدارة العليا.

 

«لم أصل بعد.»

 

ثم أصبح مسؤولًا كبيرًا.

 

لكن شيئًا لم يتغير.

 

لأن المشكلة لم تكن فى الدرجة الوظيفية.

 

كانت فى السؤال الذى يلاحقه:

 

«هل أنا أفضل بما يكفى؟»

 

وهذا سؤال لا يستطيع منصب أن يجيب عنه.

 

 


 

ربما لهذا يحتاج الإنسان إلى أن يتعلم كلمة تبدو بسيطة جدًا:

 

كفى.

 

ليس كفى بمعنى التوقف عن الطموح.

 

بل كفى بمعنى:

 

«أنا لست ناقصًا لأننى لم أصل بعد.»

 

«أنا أستطيع أن أطمح دون أن أكره مكانى الحالى.»

 

«أستطيع أن أريد المزيد دون أن أحتقر ما عندى.»

 

«أستطيع أن أنمو دون أن أعيش فى حرب مع نفسى.»

 

هذه ليست دعوة إلى الرضا الكسول.

 

بل إلى الطموح المتزن.

 

 


 

وفى الإيمان معنى عميق هنا.

 

فالإنسان حين يربط قيمته بما يملك، يصبح فقيرًا مهما امتلك.

 

وقد يكون أغنى الناس هو الذى يعرف أن ما فى يده نعمة، لا شهادة على قيمته.

 

المال نعمة.

 

لكن ليس مقياسًا للإنسان.

 

المنصب نعمة.

 

لكنه ليس هويته.

 

الشهرة قد تكون نعمة.

 

لكنها ليست دليلًا على أن الله أحب إنسانًا أكثر من غيره.

 

والفقر ليس دليلًا على أن الإنسان أقل قيمة.

 

الغنى ليس دليلًا على أنه أفضل.

 

الميزان أعمق من الأشياء التى نعرضها أمام الناس.

 

 


 

وهنا يصبح السؤال صعبًا:

 

ماذا لو لم يكن ينقصك شيء أساسى؟

 

ماذا لو كنت تملك بالفعل ما يحتاجه الإنسان ليعيش حياة جيدة؟

 

بيتًا آمنًا.

 

أشخاصًا يحبونك.

 

عملًا يحفظ كرامتك.

 

صحة تستطيع أن تتحرك بها.

 

وقتًا تستطيع أن تستخدمه.

 

ضميرًا تستطيع أن تنام معه.

 

ماذا لو كانت مشكلتك أنك تنظر باستمرار إلى ما عند الآخرين؟

 

ماذا لو كنت لا تحتاج إلى المزيد…

 

بل تحتاج إلى أن ترى ما عندك؟

 

 


 

الامتنان ليس أن تقنع نفسك بأن كل شيء رائع.

 

ليس أن تنكر تعبك.

 

ولا أن تقول إنك لا تريد شيئًا.

 

الامتنان أن ترى النعمة قبل أن تصبح عادية.

 

أن تتذكر أن البيت الذى تشتكى من ضيقه كان حلمًا يومًا.

 

وأن الوظيفة التى أصبحت عادية كانت فرصة تمنيتها.

 

وأن الشخص الذى اعتدت وجوده قد يكون غيابه يومًا أكبر من كل ما تملك.

 

وأن الوقت الذى تضيعه اليوم لن تستطيع شراءه غدًا مهما زاد دخلك.

 

 


 

قد تكون أخطر خسارة فى حياة الإنسان أن تتحول النعمة إلى شيء لا يراه.

 

لأن الإنسان إذا لم ير ما عنده، سيظل يركض خلف ما ليس عنده.

 

والركض لا ينتهى.

 

كلما وصل، ظهر هدف جديد.

 

كلما امتلك، قارن.

 

كلما قارن، شعر بالنقص.

 

كلما شعر بالنقص، اشترى أو عمل أكثر.

 

ثم يعود إلى النقطة نفسها.

 

وهكذا تصبح دائرة مغلقة.

 

 


 

وربما نحتاج أحيانًا إلى أن نسأل أنفسنا:

 

لو اختفى كل ما يملكه الناس حولى من المشهد…

 

هل سأظل أريد ما أريده الآن؟

 

لو لم أر سيارة صديقى، هل سأريد سيارتى الجديدة؟

 

لو لم أعرف راتب زميلى، هل سأشعر أن راتبى قليل؟

 

لو لم أشاهد سفر الآخرين، هل كنت سأشعر أن حياتى ناقصة؟

 

لو لم أعرف عدد متابعى شخص آخر، هل كنت سأشعر أن نجاحى قليل؟

 

هذا السؤال يكشف أشياء كثيرة.

 

لأن بعض الرغبات لا تولد من داخلنا.

 

بل تنتقل إلينا.

 

 


 

قد تستيقظ ذات صباح وتكتشف أنك كنت تشتري أشياء لا تحتاجها لتخفى شعورًا لا تريد مواجهته.

 

تشترى لأنك حزين.

 

تعمل لأنك خائف.

 

تتفاخر لأنك غير واثق.

 

تجمع المال لأنك لا تشعر بالأمان.

 

تبحث عن الشهرة لأنك لا تشعر بأنك مرئى.

 

وتظن أنك تحل المشكلة بالأشياء…

 

بينما المشكلة فى مكان آخر.

 

 


 

وهنا لا يصبح السؤال:

 

«كيف أحصل على المزيد؟»

 

بل:

 

«لماذا أحتاج إلى المزيد أصلًا؟»

 

هذا السؤال قد يكون أكثر فائدة من مئات خطط النجاح.

 

لأنك إذا فهمت السبب، عرفت الطريق.

 

إذا كان السبب حاجة حقيقية، فاسعَ.

 

إذا كان السبب طموحًا، فنمِّه.

 

إذا كان السبب مسؤولية، فتحملها.

 

أما إذا كان السبب مقارنة…

 

فتوقف.

 

وإذا كان السبب خوفًا…

 

فواجه الخوف.

 

وإذا كان السبب رغبة فى إثبات أنك تستحق…

 

فتذكر أنك لست مضطرًا إلى إثبات إنسانيتك فى كل صباح.

 

 


 

هناك فرق بين أن تريد أن تصبح أفضل…

 

وأن تعتقد أنك لن تكون جديرًا إلا عندما تصبح أفضل.

 

الأولى حياة.

 

الثانية استنزاف.

 

والإنسان الذى يعيش الثانية قد يحقق أشياء كثيرة.

 

لكن لا يشعر بها.

 

لأنه كلما وصل، نقل خط النهاية.

 

حتى يموت وهو يقول:

 

«كنت سأبدأ فى الاستمتاع بالحياة بعد أن أصل.»

 

لكن الوصول لم يكن موعدًا.

 

كان سرابًا يتحرك معه.

 

 


 

ربما لهذا لا تحتاج إلى أن تتوقف عن السعى.

 

تحتاج فقط إلى أن تعرف أين ينتهى السعى ويبدأ الجشع.

 

أين ينتهى الطموح ويبدأ الهروب.

 

أين ينتهى الاحتياج ويبدأ الاستعراض.

 

أين ينتهى العمل ويبدأ إهدار العمر.

 

وأين ينتهى تحسين الحياة ويبدأ فقدانها.

 

 


 

قد يكون لديك طموح كبير.

 

احتفظ به.

 

لكن لا تجعل طموحك يهين حاضرك.

 

قد تريد مشروعًا كبيرًا.

 

ابدأ.

 

لكن لا تعتبر نفسك فاشلًا لأن المشروع لم يصبح كبيرًا بعد.

 

قد تريد منصبًا أعلى.

 

اسعَ إليه.

 

لكن لا تجعل منصبك الحالى دليلًا على أنك أقل.

 

قد تريد مالًا أكثر.

 

اعمل.

 

لكن لا تجعل المال معيارًا لقيمتك.

 

فأنت أكبر من الراتب.

 

وأوسع من المنصب.

 

وأعمق من الصورة التى يراها الناس.

 

 


 

وفى لحظة ما، ربما تجلس وحدك، بعيدًا عن الهاتف، وعن المقارنة، وعن الضجيج.

 

وتنظر إلى حياتك.

 

ليس إلى ما ينقصها.

 

بل إلى ما فيها.

 

قد تكتشف أنك كنت تبحث عن باب جديد…

 

بينما كان الباب الذى دخلت منه حياتك كلها مفتوحًا أمامك.

 

وقد تكتشف أن «المزيد» لم يكن عدوًا.

 

لكن عدم معرفة «الكفاية» كان هو المشكلة.

 

فالإنسان الذى لا يعرف متى يكفيه شيء، لن يكفيه شيء.

 

حتى لو امتلك الكثير.

 

 


 

ولعل الحرية الحقيقية ليست أن تستطيع شراء كل ما تريد.

 

بل أن تستطيع أن تقول:

 

«لا أحتاج هذا.»

 

دون أن تشعر أنك أقل.

 

أن ترى شيئًا جميلًا ولا تمتلكه، وتبقى راضيًا.

 

أن ترى شخصًا سبقك، ولا تشعر أنك تأخرت.

 

أن ترى نجاحًا أمامك، فتتعلم بدل أن تحسد.

 

أن تعرف أن لكل إنسان توقيته.

 

وأن رزقك ليس نسخة من رزق غيرك.

 

وأن حياتك ليست مسابقة مفتوحة.

 

 


 

وفى النهاية…

 

قد لا يكون السؤال:

 

«ماذا ينقصنى؟»

 

قد يكون السؤال الذى لم نجرؤ على طرحه:

 

«ماذا لو كان عندى ما يكفينى فعلًا، لكننى لم أتعلم بعد كيف أراه؟»

 

ربما عندها فقط تتغير علاقتك بما تملك.

 

تعمل، لكنك لا تهرب.

 

تطمح، لكنك لا تكره نفسك.

 

تجمع المال، لكنك لا تعبد الرقم.

 

تنجح، لكنك لا تحتاج إلى تصفيق مستمر.

 

وتعرف أن الحياة ليست ما تستطيع إضافته إليها فقط…

 

بل ما تستطيع أن تعيشه دون أن تفقد نفسك.

 

رسالة الفصل

 

ليس كل طلب للمزيد طموحًا، وليس كل اكتفاء ضعفًا؛ أحيانًا يكون أعظم ما تحتاج إليه أن تعرف أن ما فى يدك نعمة، وأن قيمتك أكبر من الأشياء التى تستطيع امتلاكها.

 

تمهيد الفصل التاسع

 

لكن حين يتوقف الإنسان عن مطاردة الأشياء، قد يواجه شيئًا أكثر حساسية.

 

صورته أمام الناس.

 

قد لا يعود يريد سيارة أفضل.

 

لكنه يريد أن يبدو ناجحًا.

 

قد لا يريد منصبًا أعلى.

 

لكنه يريد أن يظل فى نظر الآخرين شخصًا مهمًا.

 

وقد لا يكون محتاجًا إلى إعجاب أحد…

 

ومع ذلك يتغير صوته حين يدخل مجلسًا.

 

ويختار كلماته.

 

ويراقب مظهره.

 

ويحسب ردود الأفعال.

 

كأن هناك شخصًا آخر يعيش معه طوال الوقت، ويقف بجانبه فى كل مكان ليسأله:

 

«كيف تبدو الآن؟»

 

ومن هنا يبدأ الفصل التاسع:

 

لماذا تخاف أن تخسر صورتك؟