حدثتهم عن الله
الكاتب هانى الميهى
آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة
الفصل السابع
السر
هناك معارك لا يدخلها الإنسان لينتصر، بل لأنه لا يستطيع أن يرى من يحبهم يسيرون نحو الهاوية وهو صامت.
عندما يحب الإنسان أحدًا، فإنه يخاف عليه أكثر مما يخاف منه. ولهذا لم يكن أول ما خطر بقلبها أن تهرب، ولا أن تغلق بابها على نفسها، بل أن تمد يدها إليهم مرة أخرى، علَّ كلمة صادقة توقظ ضميرًا غفا طويلًا.
كانت تؤمن أن القلب، مهما ابتعد، لا بد أن يعرف طريقه إلى الله إذا وجد من يذكره برحمة لا بقسوة، وبحب لا بتعالٍ. لذلك لم تبدأ باللوم، ولم تبدأ بالاتهام، ولم ترفع نفسها فوق أحد. كانت تعرف أنها بشر مثلهم، وأنها لولا رحمة الله لكانت فى مكان لا تتمناه لنفسها.
ولهذا…
حدثتهم عن الله.
حدثتهم عن ذلك الأمان الذى لا يمنحه المال، وعن البركة التى لا تُشترى، وعن الرزق الذى لا يقاس بكثرته، بل بما يتركه من طمأنينة فى القلب. كانت ترى أن المال الحلال قد يكون قليلًا، لكنه يملأ البيوت نورًا، بينما قد تمتلئ الخزائن بما لا يحصى، ويبقى أصحابها فقراء إلى راحة لا يعرفون ثمنها.
لم تكن كلماتها درسًا، بل استغاثة.
كانت كل نصيحة تخرج من قلب يخاف، لا من لسان يدين. كانت تتمنى أن يتوقف أحدهم لحظة، أن ينظر إلى نفسه، أن يسألها: إلى أين أمضى؟ لكنها كانت ترى الوجوه نفسها، واليقين نفسه، والاطمئنان نفسه إلى طريق كانت هى تراه يقود إلى الخسارة.
ثم حدثتهم عن رضا الله.
ليس لأن الله يحتاج إلى طاعة أحد، بل لأن الإنسان هو الذى يحتاج إليها. فالطاعة ليست قيدًا، وإنما باب نجاة. وكلما ابتعد القلب عن هذا الباب، ازداد شعوره بالوحشة، حتى لو كان يضحك أمام الناس كل يوم.
وكان أصعب ما فى الأمر أن الكلمات كانت تصل إلى الآذان، لكنها لا تصل إلى القلوب.
وهنا اكتشفت حقيقة موجعة.
أن الإخلاص فى النصيحة لا يعنى قبولها.
وأن صدق الكلمة لا يضمن أن تجد مكانًا فى قلب من يسمعها.
فالهداية ليست ثمرة البلاغ وحده، بل ثمرة قلب يختار أن يفتح نوافذه للنور.
كانت تعود بعد كل حديث وهى تراجع نفسها. هل قصرت؟ هل أخطأت فى الأسلوب؟ هل كان ينبغى أن تصبر أكثر؟ ثم تعود فتقول لنفسها إن الإنسان يملك أن يبلغ، لكنه لا يملك أن يغيّر القلوب. ولو كانت القلوب تُفتح بقوة الحب وحدها، لما بكى الأنبياء على أقوامهم، ولما حملوا هم الدعوة كل تلك السنين.
ومع مرور الأيام، لم يعد أكثر ما يؤلمها أن كلماتها لم تُسمع، بل أن ترى من تحبهم يبتعدون عن الله وهم يظنون أنهم يقتربون من الحياة. كانت ترى الخطر قبل أن يروه، وتشعر بالخسارة قبل أن يشعروا بها، لكنها لم تكن تملك إلا الدعاء، والكلمة، والصبر.
وفى تلك المرحلة تعلمت درسًا لم تكن تعرفه من قبل.
أن الدعوة ليست أن تغيّر الناس.
بل أن تظل صادقًا حتى إذا لم يتغير أحد.
وأن الله لا يسأل الإنسان: كم قلبًا هديت؟
بل يسأله: هل قلت الحق حين كان الصمت أسهل؟
لذلك لم تكن كلماتها ضائعة.
حتى وإن لم تغير من حولها، فقد كانت تحفظ قلبها من أن يعتاد المنكر، وتثبت لنفسها أنها لم تتخلَّ عن رسالتها خوفًا من الرفض أو يأسًا من النتيجة.
لقد كانت تعلم أن الهداية بيد الله…
لكنها كانت تريد، حين تقف بين يديه، أن تقول فى هدوء:
يا رب… لقد حاولت.
رسالة الفصل
ليست كل النصائح تغيّر الآخرين، لكن كل نصيحة صادقة تحفظ قلب صاحبها من أن يصمت أمام ما يعلم أنه خطأ.
تمهيد الفصل الثامن
لكن الكلمات وحدها لم تكن تكفيها…
فلم تكتفِ بالنصح، بل حاولت أن تحملهم معها إلى الطريق الذى كانت تؤمن أنه طريق النجاة.
الفصل الثامن: “حاولت أن آخذ بيدهم جميعًا.”






المزيد
عنوان لو أحببنا بقلوبنا كما ننظر بعيوننا بقلم ابن الصعيد الهواري
وجودُ النِّعَمِ كالعَدَم بقلم أمل إسماعيل أحمد
سفينة مستعدة للابحار بقلم عبير عبد المجيد الخبيري