مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مرآة التخلي بقلم الكاتبة كلثوم الجوراني

مرآة التخلي

الكاتبه . كلثوم الجوراني

رسمتُ على مرآتي شيئًا على هيئة إنسان، ثم جلستُ أكلمه كعاقل—بل كنتُ أعاتبه. قلتُ له:

أيها البطيء، بل البطيء جدًا… استغرقتَ خمسين سنة لتصل إليَّ. أتعلم أنك أنت من كنتُ أنتظره بمشاعر متناقضة؟ في لحظة مجيئك، مات كل أهلي وبعضُ أصحابي، وكأنني أعيش أحداث نهاية العالم.

مات الجميع. وإكرام الميت دفنه. وها أنا أدفن أحبتي واحدًا تلو الآخر، بلا أسف ولا دموع، لأنهم اختاروا الرحيل عن عالمي بمحض إرادتهم.

قبل أن تأتي، كنتُ أعتقد أنني لن أعيش بدونهم. ولكن مجيئك أثبت العكس تمامًا. أتعلم أنني كنتُ أجمع أيام عمري سنابلَ ذهبية، ثم أخلصها حبًّا لألقيها في رحى رضاهم؟ لا لشيء إلا لأنني أحبهم.

هذه الندوب التي في قلبي—آثار سهامهم. وكل مرة أقول: لم أكن هدفًا لهم، قصدوا هدفًا آخر، ولكن السهام أخطأت طريقها. كم مرة قدَّموني قربانًا لنيران أحقادهم، وأنا أختلق لهم الأعذار؟

مجيئك كان يشبه الريح العاصف التي أسقطت تلك اليرقات التي كانت تعتاش على أوراقي، حتى جردت أغصاني قبل أن يجردها الخريف. حتى أن الخريف غضَّ عني بصره، مشفقًا على حالي، غير راغب بي.

كنتُ أعدُّهم سكان قلبي. ودونهم، قلبي مدينة أشباح. الحياة المُرّة التي أرسمها من دونهم—لها جانب آخر بطعم الشهد، أو أحلى.

الآن: أنا الرئيس، وأنا القائد، وأنا الجيش. أما جيش الكارتون الذي كان يملأ رفوف حياتي، فقد رميتُ بهم في سلة المهملات—هم ورئيسهم وقائدهم. كانوا يأخذون حيزًا دون فائدة.

شكرًا لمجيئك أيها التخلي، حتى لو جئت متأخرًا.