كتبت: هاجر حسن
السحاب متراكم فوق السماء، فوق سحابة وردية، يوجد مقعدا ومنضدة خشبية. تجلس على المقعد فتاة، ممسكة بقلم، وأمامها على المنضدة أوراق مطبوع عليها، “غسق”.
ناطحات السحاب تُحيط بها، وكُلما نظرت من فوق السحاب، لا ترى الأرض. تصرخ: “من أنا؟ أين أنا؟ هل من أحد هنا؟” تتصاعد أنفاسها، تفتح عينيها وتستيقظ، وهي تصرخ: “من أنا؟”
تنظر إلى سقف غرفتها الوردية، تأخذ نفسًا عميقًا، وتتمتم: “نفس الحلم يا غسق، قد مر واحد وأربعون يومًا ولم يتركك هذا الحلم وشأنك، يومًا واحدًا في سُباتك. ممن يمكنني أن أطلب المساعدة؟”
غسق؛ هي فتاة رقيقة كأجنحة فراشة ملونة، بريئة كطفلة لم تتعد الأربع سنوات، تملك عقلًا فطنًا وقلبًا عطوفًا. تسعى لتكون طبيبة أطفال ماهرة، ولكن هل للقدر رأي آخر؟
تتأهب غسق للخروج إلى الجامعة، تمشي بخفة ورشاقة، تبتسم للطيور وتلقي السلام على جميع جيرانها من الحي. تركض لتلحق حافلة الجامعة، تشرد في الطريق وهي تنظر من شرفة الحافلة، تفكر في حلمها المتكرر. “سوف أسأل شمس لتساعدني بالبحث عن تفسير له”، تحدث نفسها.
تفيق من شرودها على صوت صياح، وصوت عربات الإسعاف أمام الجامعة. ينقبض قلبها، تحاول ألا تنظر إلى الحادثة، لكن شيءٍ ما بداخلها يجبرها على النظر. هنا؛ كانت الصاعقة، تسقط غسق مغشيًا عليها، وهي تردد “شمس”.
تستفيق غسق في المستشفى، تتذكر كل شيء، لتدرك أنها فقدت رفيقة دربها، صديقة طفولتها وشبابها، ملاذ أمانها في الحياة، تبكي منهارة. يحاول الممرضات تهدئتها، ويعطوها حقنة مهدئة، فتدخل في نوم عميق.
بعد عدة أسابيع، تعود غسق إلى منزلها، تدخل غرفتها الوردية، كل شيء منظم مثلما اعتادت، لكنه باهت في أعيُنها، تبدو مختلفة. لا تخرج من غرفتها، زهدت كل شيء وفقدت الكثير من قوتها وصحتها. انتهت الدراسة والامتحانات، وضاعت عليها السنة الدراسية، لكنها لا تبالي لشيء.
تغفل في سُبات عميق، لتستيقظ على صرخة “من أنا؟ أين أنا؟”، ويد بالحلم ممسكة بها. تنظر حولها، نفس الحلم يتكرر، لكن هذه المرة كان يوجد شخص معها، وكأنها شمس.
تنهض غسق وتذهب حيث مكتبها، تأخذ قلمًا وورقة، تكتب وتكتب، تفرغ بالأوراق حُزنها، تتكاثر الأوراق من حولها. ذات مرة دخل أبيها ليطمئن عليها كعادته، وجدها في سُبات والأوراق متناثرة حولها، ألقي نظرة على بعض ما كُتب بالأوراق، وأخذها إلى صديقه الصحفي حتى يطلع عليها. فأقسم له أنها من أجمل ما قرأ من روايات في عمره.
اقنع والد غسق وصديقه، بأن توافق على نشر الرواية وطباعتها حتى يقرأها الجميع.
نشرت الرواية، وحازت على إعجاب القراء والنقاد والكتاب، لتحصل على عدة جوائز، ويصبح اسمها لامعًا في سماء الأدب.
اختارت غسق للرواية اسمًا: “من أجل شمس”، لتستيقظ ذات يوم من سُباتها، وهي ترى حُلمها المتكرر ولكنه مختلف. فكانت تصرخ فيه: “شمس لا تتركين يدي”، وترد شمس عليها: “قد جعل ربك رؤياك حقا”، فلا تخافين بعد اليوم صديقتي الكاتبة.
تنهض غسق من الفراش، تنظر إلى صورة صديقتها شمس وتردد: ها هي رواياتي الأولى بفضلك وباسمك يا شمس، لن أنساك طوال عمري رفيقتي.
ليتك هنا تجيبني، فإني بدونك ضائعة،حائرة، هل أكمل رحلتي في الكتابة أم أتوقف وأكمل حُلمي ودراستي بأن أكون طبيبة أم أجمع بينهما؟ أيهما سيأخذني إليه القدر يا شمس؟…….






المزيد
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ
الكنز : بقلم: سعاد الصادق