مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عبر الزمن المجهول

قصة بعنوان     عبر الزمن المجهول

 

✍️ الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم تكن ليلة مختلفة عن غيرها

السماء ملبدة بالغيوم والهواء البارد يضرب نوافذ البيت القديم بعنف بينما كان ياسين يجلس أمام شاشة حاسوبه داخل غرفته الضيقة يحدق في رسالة غريبة ظهرت أمامه دون أي سبب

إذا وجدت هذه الرسالة فلا تعبر البوابة في الساعة الثالثة فجراً

تجمدت يده فوق لوحة المفاتيح

أعاد قراءة الجملة مرة ثم مرتين

المرسل مجهول

ولا يوجد أي عنوان أو مصدر للرسالة

ابتسم بسخرية خفيفة وهو يرجع للخلف فوق كرسيه وقال بصوت منخفض

أكيد حد بيهزر

لكن شيئًا داخله لم يكن مطمئنًا

كان ياسين شابًا في الرابعة والعشرين من عمره يهوى البحث في القصص الغامضة والأساطير القديمة خصوصًا كل ما يتعلق بالأماكن المهجورة والزمن المفقود

ولهذا حين أخبره صديقه سليم قبل أيام عن وجود نفق قديم أسفل محطة قطارات مهجورة في أطراف المدينة لم يتردد لحظة في التفكير بالذهاب

قال له سليم يومها

الناس بتقول إن أي حد يدخل النفق بعد الساعة 3 بيختفي

ضحك ياسين وقتها بقوة

لكنه الآن

لم يكن يضحك أبدًا

رن هاتفه فجأة

ظهر اسم سليم

رد بسرعة

إيه يا عم

إنت صاحي

آه

أنا قدام البيت يلا بينا

نظر ياسين للساعة

2 17 فجراً

سكت للحظات قبل أن يسأل

دلوقتي

إحنا اتفقنا يا ياسين ولا إنت خوفت

كره ياسين هذه الكلمة

خوفت

أغلق الهاتف سريعًا ارتدى سترته السوداء وأخذ مصباحًا صغيرًا ثم نزل إلى الشارع

كان سليم ينتظره داخل سيارة قديمة وبجانبه فتاة تُدعى ليان وهي مصورة هاوية تعشق توثيق الأماكن المرعبة

ابتسمت له قائلة

أخيرًا بطل الإنترنت وصل

جلس ياسين بالخلف وهو يحاول تجاهل القلق داخله

انطلقت السيارة وسط شوارع شبه خالية حتى بدأت المباني تقل تدريجيًا وتحولت الطرق إلى مناطق مهجورة يغطيها الضباب

بعد نصف ساعة

وصلوا

كانت محطة القطارات القديمة تقف وسط الظلام كأنها جثة عملاقة منسية

الأبواب مكسورة

والجدران مليئة بخدوش غريبة وكلمات باهتة

لكن أكثر شيء لفت انتباه ياسين

هو ذلك الصوت

صوت يشبه الهمس

بعيد جدًا

لكنه واضح

قالت ليان وهي ترفع الكاميرا

سمعتوه

لم يرد أحد

دخلوا المحطة ببطء حتى وصلوا إلى سلم حديدي قديم يؤدي للأسفل

النفق

كان الهواء هناك مختلفًا

أثقل

باردًا بطريقة غير طبيعية

نظر ياسين لساعته

2 56

قال سليم مبتسمًا

فاضل أربع دقايق على الأسطورة

نزلوا السلم

كل خطوة كانت تصدر صريرًا مزعجًا حتى وصلوا إلى ممر طويل مظلم تتدلى من سقفه أسلاك مقطوعة

وفي نهاية الممر

ظهرت بوابة حديدية ضخمة

صدئة

وعليها رمز غريب يشبه ساعة بلا عقارب

فجأة

انطفأت مصابيحهم كلها

صرخت ليان

ثم

اشتعلت الأنوار مرة أخرى وحدها

لكن المكان تغيّر

توقف الثلاثة في صدمة

الممر لم يعد متهالكًا

الجدران أصبحت جديدة

الأضواء تعمل

والهواء دافئ

سمعوا صوت قطار يقترب

نظر سليم حوله برعب

إيه اللي حصل

اقترب ياسين من إحدى اللافتات المعلقة على الحائط

ثم شعر بأن الدم يتجمد في عروقه

التاريخ المكتوب كان

18 أكتوبر 1983

قالت ليان بصوت مرتجف

إحنا رجعنا بالزمن

قبل أن يجيب أحد

مر رجل بجانبهم مرتديًا زي عامل المحطة ونظر إليهم للحظة طويلة بطريقة مرعبة ثم أكمل سيره كأن وجودهم طبيعي

لكن الشيء الصادم

أن وجه الرجل كان مطابقًا تمامًا لوجه ياسين

تراجع ياسين للخلف بعنف

مستحيل

بدأت أنفاسه تتسارع

الرجل التفت ببطء نحوه مرة أخرى

ثم ابتسم

ابتسامة باردة

واختفى داخل الظلام

قال سليم

إحنا لازم نمشي من هنا حالًا

لكن عندما عادوا نحو السلم

لم يجدوه

اختفى

الممر أصبح أطول

والجدران بدأت تتحرك ببطء كأن المكان حي

وفجأة

انطفأت الأنوار بالكامل

ثم سُمع صوت خطوات

خطوات كثيرة

تقترب منهم من كل الاتجاهات

أضاءت ليان كاميرتها بسرعة

فظهرت عشرات الوجوه داخل الظلام

وجوه شاحبة

عيون سوداء

وأجساد ممزقة

كانوا يقفون صامتين

يراقبونهم فقط

صرخت ليان وهي تبكي

إيه دول

اقترب أحدهم ببطء

وكان يرتدي ملابس قديمة ملطخة بالدماء

ثم قال بصوت مبحوح

أنتم تأخرتم

فجأة اندفع الجميع نحوهم دفعة واحدة

ركض الثلاثة داخل الممرات بجنون بينما أصوات الصراخ تملأ المكان

كان النفق يتغير كل ثانية

الأبواب تظهر وتختفي

الجدران تنزف أحيانًا

والساعات المعلقة تدور عقاربها بسرعة مرعبة

حتى وصلوا إلى غرفة كبيرة مليئة بالشاشات القديمة

وعلى كل شاشة

كان هناك تسجيل لهم

لكن ليس من الآن

بل من لحظات لم تحدث بعد

شاهد ياسين نفسه مقتولًا

وشاهد سليم يحترق حيًا

أما ليان

فكانت تصرخ داخل غرفة مظلمة بينما شيء غير مرئي يسحبها للأسفل

أغلقت ليان عينيها وهي تنهار

إحنا هنموت

لكن فجأة

ظهر صوت خلفهم

لسه قدامكم فرصة

التفتوا بسرعة

كان رجلاً عجوزًا يرتدي معطفًا رماديًا طويلًا

عيناه مرعبتان

وكأنه لم ينم منذ سنوات

قال

النفق مش بينقلكم عبر الزمن النفق بيأكلكم

اقترب ياسين منه بحذر

إنت مين

رد العجوز

أنا آخر واحد حاول يهرب

ثم أشار نحو ساعة ضخمة متوقفة على الجدار

كل ما الزمن يقف هنا روح بتضيع

سأل سليم

إحنا نخرج إزاي

سكت العجوز للحظات

ثم قال

واحد منكم لازم يفضل هنا

ساد الصمت

نظر الثلاثة لبعضهم

بدأ الخوف يتحول لشيء أسوأ

الشك

قال سليم بعصبية

أكيد بيكدب

لكن العجوز صرخ فجأة

بصوا وراكم

استداروا بسرعة

فوجدوا عشرات الكائنات تخرج من الجدران

أجساد بشرية مشوهة

وجوه بلا أفواه

وأصوات تشبه بكاء الأطفال

ركضوا مجددًا

لكن هذه المرة

كانت الممرات تضيق عليهم

بدأ سليم يصرخ

إحنا هنموت هنموت

وفجأة

سقطت ليان أرضًا بعدما أمسكت يد سوداء بقدمها من داخل الأرض نفسها

صرخت بكل قوتها

حاول ياسين جذبها

لكن الأرض بدأت تبتلعها ببطء

كانت تبكي وهي تنظر إليه

سيبني اهرب

رفض ياسين

لكن سليم جذبه بعنف

لو فضلت هتموت

وفي لحظة مرعبة

اختفت ليان بالكامل داخل الظلام

ثم

عم الصمت

وقف ياسين مصدومًا

غير قادر على الكلام

لكن الأسوأ لم يكن قد بدأ بعد

لأن سليم اختفى هو الآخر

في ثانية واحدة فقط

كان يسير بجواره

ثم لم يعد موجودًا

أصبح ياسين وحده

وحده تمامًا

داخل نفق لا ينتهي

وفجأة

سمع صوتًا خلفه

صوت نفسه

كنت عارف إنك هترجع

استدار ببطء

فرأى الرجل الذي يشبهه

لكن هذه المرة كان وجهه مشوهًا وعيناه سوداوين بالكامل

قال الكائن بابتسامة مرعبة

أنا أنت بعد ما الزمن خلص عليك

تراجع ياسين وهو يرتجف

لكن الكائن اقترب أكثر

النفق بيحب الوحدة وبيحب الناس اللي فضولها أكبر من عقلها

ثم مد يده نحوه

وفي اللحظة التي لمست فيها أصابعه وجه ياسين

رأى كل شيء

رأى آلاف الأشخاص الذين دخلوا النفق عبر عشرات السنين

رأى أرواحهم تُسحب

ورأى شيئًا يعيش في أعماق الزمن نفسه

شيئًا ضخمًا

لا شكل له

لكنه كان يراقبهم دائمًا

صرخ ياسين بكل قوته ثم ركض دون اتجاه

حتى لمح نورًا بعيدًا

باب

ركض نحوه بجنون

والأصوات خلفه تزداد

الكائنات تقترب

الهمسات تمتلئ بالغضب

أمسك الباب وفتحه بقوة

ثم سقط على الأرض

كان خارج المحطة

الشمس مشرقة

والناس تتحرك بشكل طبيعي

تنفس بعنف وهو يضحك ويبكي في نفس الوقت

نجا

أخيرًا نجا

لكن

حين أخرج هاتفه ليتصل بأحد

تجمد مكانه

التاريخ على الهاتف كان

10 مايو 2046

مرت عشرون سنة

بينما بالنسبة له

لم تمر سوى ساعات

رفع رأسه ببطء

فوجد المحطة القديمة غير موجودة أصلًا

مكانها كان مجرد أرض فارغة

لكن الشيء الذي حطم روحه تمامًا

هو رؤية صورته معلقة على عمود قديم

تحتها عبارة

المفقود منذ عام 2026

شعر ببرودة تسري في جسده

ثم سمع الهمس مرة أخرى خلفه

نفس الهمس

الزمن لا يترك أحدًا يهرب