مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى

من أين تُقاد؟

كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر

الكاتب هانى الميهى


الفصل الحادي عشر: ما الذي يبقى حين يسقط كل شيء؟

هناك أشياء كثيرة نظن أننا نملكها…

حتى نكتشف يومًا
أننا كنا نستند إليها أكثر مما نملكها.


نعتقد أن الوظيفة جزء من حياتنا.

ثم نكتشف أنها أصبحت جزءًا من هويتنا.


ونظن أن النجاح مجرد إنجاز.

ثم نكتشف أننا ربطنا قيمتنا به.


ونقول إن بعض الأشخاص مهمون لنا.

ثم نفاجأ أننا بنينا جزءًا من أنفسنا حول وجودهم.


المشكلة ليست في الأشياء نفسها.

فالنجاح جميل.

والمال نعمة.

والعلاقات الطيبة رزق.

والمكانة ثمرة جهد طويل.


لكن المشكلة تبدأ
عندما تتحول الوسائل إلى تعريف.


عندما يصبح السؤال:

من أنت؟

فتجيب باسم وظيفتك.

أو بحجم حسابك.

أو بعدد إنجازاتك.

أو بالمكان الذي وصلت إليه.


كأنك اختصرت نفسك كلها
في شيء واحد.


والحياة بطبيعتها
لا تسمح لشيء أن يبقى على حاله.


الأيام تتغير.

والأدوار تتبدل.

والوجوه ترحل.

والقوة تضعف.

والظروف تنقلب أحيانًا
في لحظة لم تكن في الحسبان.


ولهذا…

تأتي على الإنسان لحظات
لا تختبر ما يملك.

بل تختبر ما هو عليه.


مدير قضى عشرات السنين
في موقع القيادة.

كان الناس يحيطون به دائمًا.

تُطلب كلمته.

ويُحسب لرأيه حساب.


ثم تقاعد.


لم يخسر عقله.

ولا خبرته.

ولا تاريخه.


لكنه خسر الدور
الذي اعتاد أن يعرف نفسه من خلاله.


فاكتشف أن الفراغ
أكبر مما توقع.


ليس لأن المنصب كان مهمًا فقط.

بل لأنه صار هوية كاملة.


ورجل آخر
أفنى عمره في بناء مشروعه.

كان يستيقظ كل صباح
وفي داخله معنى واضح.


ثم تعثّر المشروع.


وخسر الكثير.


ولم يكن أصعب ما خسره المال.


بل الشعور بأنه يعرف من يكون.


وهناك أمّ
امتلأ عمرها بأبنائها.

كبروا أمام عينيها.

وكانت أيامها تدور حولهم.


ثم كبروا أكثر.

وغادر كل واحد منهم
إلى حياته الخاصة.


فوجدت نفسها
أمام سؤال لم تسأله منذ سنوات:

وماذا عني أنا؟


هذه المواقف تتكرر بأشكال مختلفة.

لكنها تحمل سؤالًا واحدًا:

إذا سقط الشيء الذي كنت تستند إليه…

فماذا سيبقى منك؟


هذا السؤال يخيف كثيرًا من الناس.

لأنه يكشف حقيقة لا نحب مواجهتها.


أن بعضنا
لم يكن يبني نفسه.

بل كان يبني حول نفسه.


يبني الإنجازات.

ويجمع العلاقات.

ويطارد الأهداف.


لكن الداخل ظل مؤجلًا.


ولهذا
حين تهتز الأشياء الخارجية،

ينهار الداخل معها.


الإنسان القوي ليس الذي لا يخسر.

فكل الناس تخسر.


وليس الذي لا يتغير.

فكل شيء يتغير.


إنما الذي يظل يعرف نفسه
حتى حين تتغير الظروف.


الذي لا يضيع بالكامل
إذا فقد شيئًا كان يحبه.


ولا ينهار تمامًا
إذا أغلقت الحياة بابًا اعتاد الدخول منه.


في عصرنا الحالي
أصبحت هذه المشكلة أكثر وضوحًا.


لأن العالم يربط قيمة الإنسان
بما يحققه.


كم تكسب؟

ماذا تملك؟

كم عدد متابعيك؟

ما حجم تأثيرك؟


وكأن القيمة أصبحت رقمًا.


لكن الحياة
تملك طريقة خاصة جدًا
في إعادة ترتيب الأولويات.


فهي لا تسألنا يومًا:

ماذا كنت تملك؟


بل تسألنا:

ماذا بقي منك
بعد أن تغير كل شيء؟


وهنا يبدأ الإنسان
في اكتشاف أمور لم يكن يراها.


أن بعض الأشياء
التي كان يظنها أساس حياته
لم تكن سوى جزء منها.


وأن ما ظنه نهاية الطريق
كان مجرد محطة.


وأن قوته الحقيقية
لم تكن في الظروف المواتية.

بل في القدرة على الاستمرار
حين لا تكون الظروف كما يريد.


ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان
بعد سنوات طويلة من الركض…

أن الأشياء التي تأتي وتذهب
لا يجوز أن تكون مصدر هويته الوحيد.


لأنها ستذهب يومًا.


أما ما يبنيه داخل نفسه…

فهو الذي يبقى معه.


يبقى حين يصفق الناس.

ويبقى حين يصمتون.


يبقى حين ينجح.

ويبقى حين يتعثر.


يبقى حين يربح.

ويبقى حين يخسر.


ولهذا…

فإن النضج الحقيقي
لا يبدأ عندما تمتلك كل شيء.


بل عندما تدرك
أنك لست كل شيء تملكه.


وأن قيمتك
أكبر من منصب.

وأعمق من نجاح.

وأبقى من مرحلة.


فالإنسان الذي يعرف نفسه جيدًا…

قد تسقط منه أشياء كثيرة.


لكن نفسه لا تسقط معها.


وربما لهذا…

ليست المشكلة أن ترحل بعض الأشياء.


المشكلة أن ترحل معها أنت أيضًا.


رسالة الفصل:

كل ما يمكن أن يتغير أو يرحل لا يصلح أن يكون المصدر الوحيد لهويتك وقيمتك.

تمهيد الفصل القادم:

لكن حتى الذين نجوا من التعلق بالأشياء…

يبقى داخلهم حمل آخر لا يراه أحد.

حمل لا يأتي من الخارج…

بل من الماضي.

من كلمات لم تُنسَ،
وأحداث انتهت،
لكن آثارها لم تنتهِ.

وهنا تبدأ حكاية الفصل القادم:

الأشياء التي نحملها دون أن نراها