مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رجل بلا مأوى

كتبت: الشيماء أحمد عبد اللاه

 

 

عند مغادرتي من العمل في المساء، وأثناء نزولي لركوب السيارة لاحظت أمرًا عجيبًا، أن هناك رجلًا يقف بجانب صندوق القمامة خارج المتجر القريب من العمل، وبينما أنا أمشي إلى سيارتي للذهاب إلى المنزل، شاهدته وهو يسحب أكياس القمامة في سرعة وعجالة من أمره، ويفحص كل ما كان فيها، لفت انتباهي هذا المنظر، ووقفت أراقبه، لقد فعل هذا لعدة دقائق متتالية.

 

 

وبالفعل قد وجد عدد قليل من البطاطس في كيس واحد، أو اثنين، وبعض من بقايا الهمبرجر في كيس آخر، حيث أنه يمكنني رؤية غلاف الهمبرجر يتدلى من فوق ركبته، حيث كان يضع المواد الغذائية التي وجدها، لم يزعج أحدًا أبدًا، ولم يحاول أن يوقف أحد، أو يتسول للحصول على المال، أثناء دخول الناس إلى المتجر، أو الخروج منه.

 

و بعد أن فحص كل النفايات الموجودة، قام بتنظيف المنطقة بعناية شديدة، ولف الطعام الذي وجده في كيس الهمبرجر، فقد كان يبدو أنه يحمله لأحد ما، ربما أطفاله، أو زوجته، أو حتى يحتفظ به لنفسه؛ لأنه ربما لا يجد سوى هذا الأكل في وقت لاحق، لقد كان قلبي يؤلمني حقًا حينما وقعت عيني على هذا المشهد الأليم.

 

 

رغم  أني لست ذلك الشخص الذي يساعد الناس بالمال، أو بأي طريقة أخرى، وبكل أسف هذه حقيقتي، فأنا حتى لم أساعد المحتاجين، ربما لأني لم أشاهد من قبل أي شخص في الواقع يقف على سلة قمامة في محاولة للعثور على بعض الطعام، لقد أثر بي المشهد كثيرًا.

 

وهنا أدركت أنني يجب أن أساعده، فخرجت مسرعًا من سيارتي، وسألته إن كان بإمكاني أن أشتري له شيئًا يأكل، فأخبرني أنه سيُقدّر أي شيء يمكنني الحصول عليه من أجله، كان يركب دراجة متهالكة، فقلت له إذا كان من الممكن أن تتبعني، فسأشتري لك وجبة في مكان الوجبات السريعة الموجودة في نهاية الشارع، فتبعني بالفعل، ولقد اشتريت له أكبر وجبة لديهم في القائمة، والطلب الوحيد الذي طلبه مني بعد ذلك، هو إن كان بإمكانه الحصول على كوب كبير من الشاي الحلو ليشربه مع وجبته! وعندما أحضرت له الطعام كان شاكرًا للغاية، حينها أخبرني أن اسمه ساجد، وهو رجلٌ بلا مأوى، منذ أن ماتت شقيقته في أكتوبر الماضي.

 

كان يحاول كثيرًا أن يترك الشارع، لكن كان الأمر صعبًا للغاية، ولم يساعده أحد، وهو عليلٌ لا يستطيع العمل، فقلت له أن الله يحبه، وسيفعل الخير دائمًا من أجله، شكرني أكثر من مرة، وعبّر لي عن مدى امتنانه بتقديمي تلك الوجبة، وعندما عدت إلى سيارتي شعرت بحملٍ كبيرٍ على قلبي بشأن هذا الرجل، فعُدت من على الطريق، بعد أن سرت بالسيارة بضع خطوات قليلة، فقد شعرت أنني يجب أن أعود لمساعدة هذا الرجل

 

وعندما عُدت، وجدت أنه أنهى وجبته، وكان يستعد لركوب دراجته؛ كي يذهب بعيدًا، اقتربت منه لثانية وسألته عما إذا كان بوسعي أن أساعده بأي شيء يطلبه فقال لي: حقًا لا أريد شيئًا، أنت رجلٌ تمتلك قلبًا من ذهب، حينها لم يطلب مني المال، وأنا أعلم أنه في حاجته، فسألته إن كان بإمكاني شراء بعض الوجبات، ووضعها على بطاقة هدية له.

 

فقال لي بنوعٍ من الخجل، سيكون هذا لطيفًا منك سيدي، فعدت سريعًا إلى ماكدونالدز، واشتريت له بعض الوجبات وأعطيته بطاقة هدية، ولكني عندما عدت إليه وجدته يبكي، وقال لي أنه صلى من أجلي اليوم ! لم أكن متأكدًا مما كان يعنيه بقوله، فكنت أفترض أنه كان يصلي من أجل ما فعلته معه كنوع من الشكر.

 

لذا شكرته على ذلك فقال لي (لا) ، أنت لا تفهم لقد صليت أن يرسل الله لي شخصًا؛ ليشتري لي وجبة ساخنة اليوم، كنت بحاجة لها، وأرسلك الله بالفعل لي اليوم كما دعوت، لم أكن أعرف ماذا أقول حينها؟ كنت عاجزًا عن الكلام، الصلاة من أجل وجبة ساخنة فقط! لقد كنت دائمًا أصلي على نعمة طعامي، لكني لم أصلي أبدًا من أجل وجبة، فأنا لم أشك أبدًا في أنني لن أتمكن من الأكل في يومٍ من الأيام، بدأت الدموع تملأ عيني وأخذت أقول في نفسي : يا إلهي كم أنعمت عليّ بالكثير من النعم، وربما استخدمتني للإجابة على صلاة هذا الرجل المسكين؛ كي تخبره أنك تهتم به، وتعرف بما يمر ! ولكني فكرت أيضًا أن الله ربما استخدم هذا الرجل، ليبرهن لي كم أنا مبارك ولدي نعم كثيرة، قطع تفكيري صوت ساجد وهو يقول : هل ترى أنا مصاب بالسرطان، ثم سحب قميصه، وأشار إلى كتلة ضخمة كانت بارزة من بطنه، قال لي إنه يعلم أنه لن يعيش أطول من ذلك بكثير.

 

فسألته أن يلتجأ لله، فأخبرني أنه يلتجأ له ويدعوه دائمًا، وهنا سألته إذا كنت أستطيع أن أصلي من أجل الدعاء له، فقال لي إنني أستطيع فعل ذلك، فصلينا هناك على رصيف ماكدونالدز، والدموع تنهمر من عينيه، أخبرني أنه يعلم أنه سيموت، وأنه مستعد للموت، فلقد سئم من هذا الألم.

 

وسيكون من الأفضل له أن يموت؛ لأن هذه لم تكن حياة يستطيع العيش فيها، مكثت إلى جواره، وشجعته لبضع دقائق، كنت أبكي أنا الأخر، لكن صلاتي من أجله هذا اليوم أعطيته أملاً  كبيرًا، كنت أعرف أنني فعلت ما أراد الله مني أن أفعله، فقد وضعه في طريقي عن عمد؛ حتى أرى جيدًا، وأزيل الغشاوة عن عيني.

 

لم أشعر قط بمثل هذا الشعور في مساعدة شخص ما كما فعلت اليوم، وبسببه تذكرت كمّ النعم التي أمتلكها، فلديّ سيارة تنقلني من مكان إلى آخر، لديّ سقف فوق رأسي، و ملابس نظيفة، ونقود لشراء وجبة ساخنة، ومياه جارية وكهرباء، وصحتي، ووظيفة، وأسرة وأصدقاء، اكتشفت أنني لدي كل شيء.

 

ففي بعض الأحيان يرسل الله المواقف في طريقنا؛ لتذكيرنا بحالنا والنعم التي نحن فيها؛ فلنشكر الله على نعمه الكثيرة، ولنساعد المحتاجين في كل مكان، فهناك الكثير من ساجد يقف في الشارع بلا مأوى، دعونا ندعوا لهم جميعًا، ونقدم لهم يد المساعدة.