بقلم الدكتورة/إسلام محمد
استشاريه الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي البحث عن الذات وكتاب طوظ
ليست كل أمٍّ تُحب أبناءها على نحوٍ سليم، فبعض الأمهات تُحب نفسها فيهم، تُراهم امتدادًا لغرورها لا لرحمتها، مرآةً لبريقها لا لجوهرهم. هذه هي الأم النرجسية، التي تلبس قناع الحنان وتُخفي خلفه رغبةً عارمة في السيطرة والتملك، تُحب أبناءها حين يلمّعون صورتها، وتكرههم حين يهددون عرش الأنا داخلها.
من منظور علم النفس، تُعد النرجسية اضطرابًا في الشخصية يجعل صاحبها أسير ذاته، لا يرى في الآخر إلا وسيلةً لتغذية شعوره بالعظمة والتفوق. وعندما تكون الأم هي المصابة بهذا الاضطراب، يتحوّل البيت إلى مسرحٍ للتمثيل القاسي، حيث تلعب هي دور الضحية دائمًا، وتوزّع اللوم والذنب على الجميع عدا نفسها. لا تعترف بخطأ، ولا تحتمل نقدًا، ولا ترى أبناءها إلا أدوات لخدمتها أو وسائل لتلميع صورتها أمام المجتمع.
هي تلك التي تحطم ثقة أبنائها بأنفسهم بكلمة، وتُطفئ ضوء أرواحهم بنظرة ازدراء. تُقارنهم بغيرهم، تُشعرهم دومًا بالتقصير، تُسخّر عواطفهم لتخدم احتياجاتها، فإذا أحبّها أحدهم زادت في القسوة، وإذا ابتعد عنها ادّعت المرض والهجر. في داخلها صراعٌ لا ينتهي بين خوفها من الفقد ورغبتها في السيطرة، وبين احتياجها للحب وعجزها عن منحه.
أما من جهة المجتمع، فغالبًا ما تُقدَّس الأم تقديسًا مطلقًا، حتى وإن كانت ظالمة. فالمجتمع يرى في “الأمومة” تاجًا لا يُمسّ، لكنه ينسى أن بعض الأمهات قد يلبسن هذا التاج كقناعٍ يخفي وراءه دمارًا صامتًا. كم من بيتٍ تهدّم بسبب أمٍّ نرجسية جعلت الأبناء يتناحرون، والأزواج يفترقون، والدفء العائلي يبرد حتى التجمّد!
الأم النرجسية لا تُربي أبناءها بقدر ما تُعيد إنتاج نفسها فيهم، فإمّا أن تجعلهم صورًا مكرّرة من ضعفها وخضوعها، أو انعكاسًا لعنفها وغرورها. ومن الموجع أن أبناءها يكبرون وهم يظنون أن الحب ألم، وأن القرب خنق، وأن العطاء عبء.
من الناحية النفسية، يحتاج أبناء الأم النرجسية إلى علاجٍ طويل لاستعادة ذواتهم، لأنهم يعيشون صراعًا بين حبهم الفطري لأمهم وبين إدراكهم المؤلم بأنها السبب في جراحهم الأعمق.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة المرة أن النرجسية لا تعرف الأمومة الحقيقية، فالأم التي تُقدّس ذاتها أكثر من أبنائها لا تمنح حبًا، بل تمنح قيدًا مغلفًا بالشفقة. الأمومة ليست إنجابًا، بل احتواء، والنرجسية لا تحتوي، بل تبتلع.
إن أخطر ما تفعله الأم النرجسية هو أنها تقتل أبناءها نفسيًّا وهم أحياء، وتتركهم يبحثون عن حبها في وجوه العالم عبثًا. تلك ليست أمًّا… بل جرحٌ يتنكر في ثوب أمومة.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي