قصة بعنوان حب رغم الكوابيس
الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
في مدينة صغيرة على أطراف الضباب
كان يعيش شاب يُدعى مازن
في الثانية والعشرين من عمره
طالب جامعي في كلية الطب
هادئ
قليل الكلام
لكن خلف هذا الهدوء
كان يعيش حربًا لا يراها أحد
مازن لم يكن مثل باقي الشباب
كان يستيقظ كل ليلة مفزوعًا من كوابيس متكررة
نفس الكابوس دائمًا
غرفة مظلمة
أصوات صراخ بعيدة
امرأة تقف عند الباب بلا ملامح
ثم دماء على يديه لا يعرف مصدرها
ثم يستيقظ وهو يلهث وكأنه كان يهرب من الموت فعلًا
كان يعتقد أن الأمر مجرد ضغط نفسي
إرهاق دراسة
أو خيال زائد
لكن الكوابيس كانت تزداد قوة يومًا بعد يوم
حتى بدأت تؤثر على حياته الواقعية
ضعف تركيزه
انعزاله عن الناس
وشعوره الدائم بأن هناك شيئًا يراقبه
وفي الجامعة
لم يكن لديه أصدقاء كثيرون
إلا شخص واحد فقط
صديقه كريم
شخص مرح دائمًا يحاول إخراجه من عزلته
وفي يوم من الأيام
لاحظ كريم شيئًا غريبًا
مازن لم يعد ينام بشكل طبيعي
فقال له بجدية
إنت شكلك مش طبيعي يا مازن لازم تكشف
لكن مازن تجاهل الكلام
حتى جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء
في محاضرة الطب النفسي
دخلت فتاة جديدة إلى القاعة
اسمها ليان
طالبة في السنة الأولى
هادئة جدًا
لكن عينيها كان فيهما شيء مختلف
شيء يشبه الحزن العميق
حين جلست في المقعد الخلفي
شعر مازن بشيء غريب
كأن الهواء تغير
كأن الكابوس الذي يراه ليلًا
ظهر أمامه في الحقيقة للحظة
لكن تجاهل الإحساس
ومرت الأيام
وبشكل غير متوقع
بدأت ليان تقترب منه
كانت تسأله عن المحاضرات
تشاركه الملاحظات
وتجلس معه أحيانًا بعد الدروس
ومع الوقت
بدأ مازن يبتسم أكثر
لكن الكوابيس لم تتوقف
بل أصبحت أكثر وضوحًا
وفي إحدى الليالي
استيقظ مازن وهو يصرخ
لكن هذه المرة
كان هناك شيء مختلف
كان يسمع صوت فتاة تبكي خارج غرفته
فتح الباب ببطء
فوجد الممر مظلمًا
والصوت يأتي من آخره
خطوة خطوة
بدأ يسير
حتى وصل إلى نهاية الممر
لكن لم يجد أحدًا
فجأة
شعر بيد باردة تمسك كتفه
التفت بسرعة
لا أحد
لكن الضوء يومض بشكل غريب
وفجأة سمع صوت رسالة على هاتفه
كانت من رقم مجهول
أنا عارفاك من زمان
تجمد مازن
وكتب بسرعة
إنتي مين
جاء الرد
هتعرف قريب
ومن تلك اللحظة
بدأت ليان تتصرف بشكل غريب
أحيانًا تنظر له وكأنها تعرفه من قبل
وأحيانًا تتوقف فجأة وتقول له
إنت متأكد إنك عمرك ما شفتني قبل كده
لكن مازن كان متأكد
أنه لا يعرفها
حتى بدأت الحقيقة تظهر ببطء
في أحد الأيام
أثناء حديثهم
سقطت ليان فجأة مغشيًا عليها
نُقلت إلى المستشفى
وهناك
أخبر الطبيب مازن بحقيقة صادمة
ليان تعاني من اضطراب نفسي نادر
يسبب لها رؤية كوابيس واقعية متداخلة مع أشخاص حقيقيين
لكن الطبيب قال جملة أخافت مازن أكثر
الغريب إنها كانت بتكرر اسمك في كل نوبة
شعر مازن بصدمة
كيف تعرفه من قبل
وهو لم يلتقِ بها إلا في الجامعة
بدأ يبحث في الأمر
حتى وصل إلى مفاجأة صادمة
ليان كانت تعالج نفسيًا منذ سنوات
بعد حادث قديم
حادث سيارة
مات فيه شخصان
والمفاجأة الأكبر
أن أحد الضحايا
كان شقيق مازن الأكبر
تجمد مازن تمامًا
بدأت الصور القديمة تعود لعقله
حادث فقد فيه أخاه
لكن الأسرة لم تخبره بكل التفاصيل
وهنا بدأ الكابوس الحقيقي
ليان لم تكن مجرد فتاة في حياته
بل كانت شاهدة على ماضٍ مدفون
ماضٍ حاولت عقولهم نسيانه
لكن الكوابيس لم تنساه
وفي ليلة ممطرة
طلبت ليان مقابلته في مكان مهجور خارج المدينة
ذهب رغم خوفه
وحين وصل
وجدها واقفة وسط المطر
كانت ترتجف
وقالت بصوت مكسور
أنا شفت الحادثة تاني في كوابيسي
مش بس كده
أنا شفتك فيه
تجمد مازن
قالت ليان وهي تبكي
في الحادث ده كان في حاجة غلط
مش مجرد حادث
في حد كان السبب
بدأ قلب مازن ينبض بسرعة
لكن قبل أن يتكلم
ظهرت أمامه صورة الكابوس
نفس الطريق
نفس الليل
نفس الدماء
لكن هذه المرة
رأى نفسه داخل الحلم
يراقب من الخارج
ورأى شيئًا لم يكن يتوقعه
رأى أخاه وهو يقود السيارة
ورأى سيارة أخرى تصدمهم عمدًا
لكن السائق
كان وجهه مألوفًا
وجه أحد أقرب الناس لعائلته
عمه
تراجع مازن وهو لا يصدق
كل شيء كان مخفيًا
الحادث لم يكن حادثًا
بل جريمة
وليان كانت شاهدة طفلة وقتها
وذاكرتها لم تمحُ ما رأت
لكن عقلها حوّل الحقيقة إلى كوابيس
ومع الوقت
ارتبطت كوابيسها بكوابيس مازن بطريقة غريبة
كأن الألم نفسه جمعهما
في مواجهة الحقيقة
انهارت ليان
وقالت
أنا تعبت من الكوابيس
لكن أكتر حاجة مرعبة
إنك جزء منها
اقترب مازن منها ببطء
وقال بصوت مرتجف
يمكن ربنا جمعنا عشان نعرف الحقيقة
ومش عشان نضيع فيها
ومن تلك اللحظة
بدأ الاثنان رحلة مواجهة الماضي
ذهبوا للشرطة
جمعوا الأدلة
فتحوا ملف الحادث القديم من جديد
وبعد تحقيق طويل
ظهرت الحقيقة كاملة
العائلة التي أخفت الجريمة سنوات
تم كشفها
والعمه تم القبض عليه
لكن الألم الحقيقي لم يكن في العدالة
بل في الذكريات
ليان بدأت تتحسن تدريجيًا
والكوابيس بدأت تخف
أما مازن
فلم تختفِ كوابيسه تمامًا
لكنها أصبحت أقل قسوة
لأنه لأول مرة
لم يعد يهرب منها وحده
وفي ليلة هادئة
جلسا معًا على سطح المستشفى
كان المطر خفيفًا
والسماء صافية لأول مرة منذ سنوات
قالت ليان بصوت هادئ
إنت لسه بتشوف الكوابيس
ابتسم مازن
بس المرة دي
مش لوحدي فيها
نظرت إليه بصمت
ثم قالت
يمكن الكوابيس مش دايمًا حاجة تخوف
يمكن أحيانًا بتكون طريق للحقيقة
وأحيانًا
بتكون بداية حب
حتى لو بدأ من الظلام






المزيد
نبضٌ من صوتك
فتاة الروح
عمر الأربعين