نزار والحب المفقود ونقمته على المجتمع بقلم بلال حسان الحمداني
حديثي عن شاعرٍ جعل لنا الشعر خبزًا، وجاد على الشعر العربي بما جاد به من نظمٍ في الحب والمرأة والوطن. إنه الشاعر السوري نزار قباني، شاعر الحب والمرأة، إذ لم تترك كلماته نفسًا إلا وقد لامست شغاف قلبها، فقد حمل همومنا العاطفية والاجتماعية لخمسة عقود من الزمن.
أوَليس وهو القائل:
“حملتُ شعري على ظهري فأتعبني… ماذا يبقى من الشعر حين يرتاح؟”
طاف في شعره مُصوِّراً جمال الحب وعذابه، وشغف العشاق وآهاتهم، ومُمجِّداً المرأة ومُناصِراً لها، ومُمجِّداً الأوطان وضياعها بين ماضٍ تليدٍ يُشيد به ويَنوح على ذهابه أدراج الرياح، وبين حاضر بئيسٍ يَرثي له، ناقماً على ما آل إليه حال الأمة.
وكان للشاعر أخت أكبر منه اسمها وصال. أحبت شاباً، لكن سادت آنذاك في المجتمع الدمشقي سياسةُ عدم تزويج الفتاة بمن تحب، بل بمن يختاره أهلها لها. حاول أهلها إجبارها على الزواج بشخص آخر، فآثرت الموت على أن تتزوج بمن لم يخفق قلبها له، فانتحرت، وكانت شهيدة الحب.
ربما يخفى على الكثيرين الدافع الذي جعل من نزار شاعراً، وينظر الكثيرون إليه على أنه زير نساء وماجن فاجر. دعونا نجعل نزار يتكلم عن نفسه:
“الشهيدة أختي الكبرى وصال قتلت نفسها بكل بساطة وشاعرية منقطعة النظير، لأنها لم تستطع أن تتزوج بمن تحب. صورة أختي وهي تموت ما تزال محفورة في دمي. لا أزال أذكر وجهها الملائكي وقسماتها الجميلة وابتسامتها الساحرة. كانت في ميتتها أجمل من رابعة العدوية وأروع من كليوباترا المصرية. حين مشيت في جنازة أختي، كأن الحب يسري معي ويشد على يدي. وحين دفنا أختي في التراب وعُدنا في اليوم التالي لم نجد القبر بل وجدنا وردًا. هل كان موت أختي في سبيل الحب أحد الدوافع التي جعلتني أتوفَّز للحب بكل طاقاتي وأهبه أجمل كلماتي، أم تعويضاً لما حُرِمت منه أختي، وانتقاماً لها من مجتمع يرفض الحب ويُطارده بالفؤوس؟”
غالباً ما تخلق الظروف والحوادث والأمور المعاشة في حياتنا ردات فعل سلبية كانت أو إيجابية. ومن خلال كلام الشاعر يتبين لنا أن هذا الحدث هو الذي صَيَّره شاعراً، وخاصة في الحب كما ذكر وكما عُرِف عنه، بل وكما سُمِّي بـ “شاعر المرأة”، إذ توفَّز حقاً لشعر الحب والمرأة، فكانت أكثر أشعاره عن هذا الغرض. وغالباً ما تميل النفس إلى ما تُفقد أو يفقده أحباؤه.
ويستوقفني قول مجنون ليلى:
“وزادني كلفاً في الحب أن مُنِعت… وأحبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنِعا”
وبالتأكيد، فإن الحب المفقود عند أخت الشاعر، الذي آل بها إلى الانتحار، كان الشرارة الأولى وخلقت منه إنساناً مال إلى المرأة بكل عواطفه وأحاسيسه وغرائزه، إذ سنرى أيضاً في أشعاره التي تجمع بين العاطفة الجياشة والرقة وبين الميل إلى تصوير المرأة كجسد.
هذا الحدث شكَّل أيضاً نقمته على المجتمع، ورؤيته له أنه مُنغلق، ودعوته لمناصرة المرأة، والدعوة إلى كسر القيود والعادات التي تحول بين المحب ومحبوبه، ولا تسمح بأن يُعاش الحب كما يرى الشاعر دون رقيب أو حسيب. صارت عليه نقمته، ومُندداً بالماضي الجميل. ولكن لا حياة لمن تنادي.






المزيد
رثاء العلّامة المحدِّث أ.د / أحمد عمر هاشم بقلم: امل اسماعيل احمد احمد
الكتاب بين الأزمة والتطور بقلم سها مراد
مرآة التخلي بقلم الكاتبة كلثوم الجوراني