حوار:ضُحى مهدي
“إنّ نفسًا لم يُشرقِ الحُبّ فيهاهيَ نفسٌ لمْ تدرِ ما معناهَا،ثم إننا مدينون بالحُب لكُل شخص جعلنا نبصر شيئًا جميلًا، في أنفسنا حين أوشكنا على الإمطفاء.”
فَتاة من تربةِ الهوى خُلقت، ونُثرتُ بخورًا أقتحمُ رئة العالم بأريجه، وجوريّة على رأس عروس يوم فرحها عروس الدّنيا بمحورها يدور فلكي سوريّة، ولأجلها أُعلي من شأن حديثي ليصل صداي شتّى بقاع الأرض.
بين أحضان الظّروف ترعرعت، وتحت ظلال السّيوف أوّل كلامي بدأت، لا أذكر طفولة مررت بها، لعلّ زماني يسير بعكس الحياة، بدأتُ مسنّة تبثّ الحكم والمواعظ لشابّة مخبّأة في صدرها، فلم تكن الأيّام مجرّد أيام، بل كانت سلسلة متّصلة من الاختبارات الّتي لا أرى لها نهاية سوى الفناء لكنّي أفنيت نفسي المترهلّة الهرمة، ودفنتها مع ظرفها المقيت، وخرجت من ثوب نفسي لأعلن ميلادي من جديد.
آية سبّاغ، تودّع عامها الواحد والعشرين لتبدأ بعام جديد، نهلت من كلية الآداب قسم الّلغة العربيّة ما يروي عطش الفؤاد ويلبّي احتياجات النّفس والعقل، فقد تسلّمت راية الّلغة العربيّة، لأكون تحت لوائها وخادمة لها، وأشقّ طريق النّور بحلمي وأصل إلى أعمق نقطة فيها والله المستعان.
أمّا عن اكتشافي لشغف الكتابة، ونضح الكلمات بعبق المعاني والشّعور النقيّ، فأنا لم أكتشفها بنفسي، إنّما اكتشفتني وانتشلتني من ذاتي لواقع أحيا وأُحيي به عالمًا بأكمله، بدأت بوقت مبكّر بالشّكل الاعتياديّ من خلال دروس التّعبير في المرحلة الإعداديّة، ثم كانت الحرب، هي النّافخة فيّ روح الفن والابتداع الجماليّ، والآذنة لها لأن تخرج من ركام الواقع، إلى فضاء الإبداع، فرسمتُ إزاء ذلك قارب نجاة يقي العالم من طوفان قادم لا مفر له، أصله كلماتي، وربّان السّفينة عائلتي، وأستاذي الّذي ميّزني عن الجميع بقلمي؛ لأجاذف في غمار البحار ولا أخشى أيّة موجة كانت، وأنقذ العالم من خطر محدق.
أطمح أن أصل بوقع القلم شواطئ الأمان، وأن أعتلي به منابر النّور، أن ننشر بحبره الحبّ والسّلام في مشارق الأرض ومغاربها، و أن نقول قولًا ما قاله الأولون، ومحال أن ينساه الآخرون. وأن نُرزق به الحكمة وفصل الخطاب.
كاتبي المفضل، وسيّد الإنشاء وملك المعنى، من تتلمذت على فكريهما
الكاتب والأديب، الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرّافعي
والأستاذ العظيم مصطفى لطفي المنفلوطي.
وأنصح كل من قرأ كلامي القراءة لهما فهما خير دليل يُحتذى به في الطريق الأدبيّ والابداعيّ، حتّى نسجت أغلب النّصوص بالتمّازج بين قوّة الأفكار، على النّهج الرّافعي ورقّة المعاني على أسلوب المنفلوطيّ.
ليكون سبكًا لطيفًا، وإنّي لأرجو الله أن يكون كما أريد بل وأفضل.
وهذا نص من نصوصي:
قد نرى تقلّب وجهك في السّماء فلنولينّك قبلة ترضاها
وحده العليم بقبّة الوجد الّتي وجّهت قلبي نحوها، وانفطر القلب إثرها، وأنا الّتي عقّدت رحالي على بابها من مقامي هذا، أبثّ الابتهالات لها، ثم أشرع بالرّحيل كونها بخير، بخير فقط، فتقودني السّويعات الخاليات دون ذكرها بالتّسليم لأمر الله لأصلّي، فأوجّه القلب نحوها مرّة أخرى دون قصدٍ منّي، فعفوك مولاي على التفاتاتي، وحنانيك بقلبي.
لا حقّ لي في النّطق، ومن ذا يقيل عثرتي إن استعبرت!؟ أشتاقها وليست قبلتي وأهيم في حنانها وليست وجهتي، وأحتمي فيها منها كلّ ما ضاقت سبلي، وقيّدت أغلال الفراق عنقي، وقسمت نكبات الزّمان عاتقي، فأشدّ العزم لأفرّ إليها، غير آبهة بأيّ نتيجة كانت.
أوّاه يا نفس من لهفتي، قد ارتديت ثوب اليقين بأنّ لنا لقاء يجمع الصّادقين، لكن ليس الآن، ليس قبل أن أطأ مقام العزّة بعزّ وأوحّد قبّتي، وأستجمع كلّما أوتيت من سداد، وأتحسّس عبرتي، ثمّ أقرأ كتابي فيه بمفردي، وأرتقي وأنهل من الأجر، بعد أن هدّني النأي وطول النّوى وحرّ الذّنب والجوى.
فعهدًا عليّ إن وصلت ولو ممزّقة…
سأقصّ لها كلّ شيء في سجدة تعيد الرّوح لروحي، وإن كان عكس ذلك مما نبتغي، فستبقى المقدّسة المتفرّدة بقدسيّتها، تحوم روحي في سمائها حتّى الفناء، مشرّعة صلاة الحبّ، سيّدة العطاء وجهتي وقبلتي، يا دين الفؤاد يا صلاة الروح.
الشّكر الأول والدّائم لّله الّذي أمدّني بمدد من عنده، وبارك لي في عتادي ليملأ صوتي الأرجاء، ولحضرتك الكريمة على هذه الّلفتة الرّائعة، وإلى صاحب الخطوة الأولى، والرّفيق في الدّرب، إلى من تشاطرنا الأحلام وتكاتفنا للقوى، إلى الدّاعم الأوّل والدّائم، إلى من أحصد معه ثمار أيّامنا بعد شهور عجاف، إليك أهدي شكري وامتناني، وإن أقصرت عنه لقلّة بياني «أستاذ ربيع منصور»
و إلى رابطة أدباء سورّية جميعها، وأخص القائد المتفاني «قُصيّ الطُبل»، و«فرع حلب» الصّادق والصّديق في رحلة الأدب وأجمل طريق، إلى أصحاب الفضل عليّ «دكاترتي، فخر الكلّيّة» وكلّ من جمعني به الودّ والرّفعة، وحبّ التّعلم.
إلى عائلتي وأخواتي أوّلًا وأخيرًا ودائمًا وختامها مسك أختي الكبيرة في القلب ومن رحم القدر، لكم الشّكر كلّه جلّه ودقّه، كبيرة وصغيرة حاضرة وغائبة
وإن كان الشّكر حقّه لا يفي.
رسالتي لا تسعها السّطور بل هي متوارية خلف النّصوص، وقابعة في لبّ المعاني مرادها، وملخّصها من وجد في نفسه ذرّة طموح فليقاوم حتّى آخر رمق في نفسه، وليواجه معرقلات الحياة بأبهى الدّوافع.
لن تستقيم لك الحياة على كلّ حال، كن أنت الاستقامة التي يُهتدى بها، نفسك أدرى بك من غيرها، فاحرص على تغذية القلب والعقل، بما ينفعهما حدّ الاكتفاء، واشغل قلمك بالخير، لئلّا يشغلك بالشّر، والزم كلمة الحقّ والجمال في كلّ درب تدنو إليه، لتخطّ كلاما يبقى حيّا بعد موتك أبد الدّهر.
خلقنا خلفاء الله على الأرض؛ ولنؤدي رسالة حقّ ونكون خلفاء في أرضه، فامكث عليه حتّى تكون الصّلة الجامعة بين الخالق وخلقه.
وفي الختام نتمنى لجميلنا مستقبل باهر يليق بها، ولها مني ومن مجلتنا تحية معطرة بالياسمين.






المزيد
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب
في هذا الحوار، لا نتوقف عند حدود العمل الأدبي بوصفه منتجًا إبداعيًا فحسب، بل ننفذ إلى ما وراءه؛ إلى الأسئلة التي تسبق الكتابة، والقلق الذي يصاحب الوعي، والتجربة التي تصوغ الكاتب قبل أن يصوغ هو نصه. نحاور الكاتب ورئيس تحرير مجلة إيفرست الأدبية كيرُلس ثروت، في محاولة للاقتراب من رؤيته الفلسفية للأدب، ولمفهومه عن المسؤولية الإبداعية، ودور المجلات الثقافية، والكتابة بوصفها ممارسة وعي لا فعل ترف.