مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

تضخم الأحزان!

Img 20240915 Wa0059

 

بقلم: خولة الأسدي 

 

حين كنتُ في مثل عمرك.. قابلتُ جدتك للمرة الأولى والأخيرة، ورغم أني كنتُ مجردُ طفلة، إلا أن تلك العجوز كانت كلما اختلت بي، أرتني صور ابنها الذي غادرها شابًا، ربما قبل أن أولد. 

وكنتُ أستغرب كيف تتحدث عنه بتلك الطريقة رغم مرور أعوام عديدة على رحيله، ويُفترض بتأثرها أن يخف بتقادم العهد!

وكنتُ كلما تذكرتها لاحقًا، وتذكرت حديثها المتكرر لي عنه، أستغرب مُتساءلة في سري: لماذا كانت تحدثني؟! ولِمَ لم تنسَ رغم أن لديها عدة أبناءٌ وأحفاد؟

 

وبعد تسعة عشر عامًا، ها هو رحيلك يأتيني بالجواب، الذي لو عرفتُ كيف ستكون طريقة معرفتي به، لما تساءلتُ أساسًا!

 

وعرفتُ أن من يفارقنا من الأحباب، لا يمكن أن نستعيض عن غيابه ولو بألف غالٍ آخر؛ فلكلٍ منزلته التي لا تخص سواه، ولا يملؤها غيره.

 

وعرفتُ وأنا أتساءلُ في سري بحزنٍ: هل سينساك أشقاؤك حين يكبرون؟ وما السبيل لحفظ ذكراك حية، وزرع مشاعرنا نحوك في أبنائهم الذين لن يعرفوك؟ لكني أريدهم أن يعتبروك قد كنت في حياتهم، وغادرتهم كما غادرتنا، وليس مجردُ اسمٍ لشخصٍ لم يعرفوه، ولا يعني لهم شيئًا!

 

وفقط حين كنت أفكر بهذا، فهمتُ شعور جدتك، وتذكرتُ كيف كنتُ أُحدث أشقائي عنك وبعدك على قيد الحياة، وأتمنى أن يعرفوك ليشعروا بما أشعر به نحوك من حبٍ وإفتتان أيها الصغير الظريف، ولكنك ذهبت، وبقيت رغبتي تلك كلقمةٍ تسدُّ بلعومًا في قلبي!

وكلما استغربوا دموعي، أردد لهم بقهرٍ مضاعف: أنتم لم تعرفوه لتفهموا!

 

وأظن أنهم لو كانوا قابلوك، وشعروا ببعض وجعي، كان ذلك سيُشعرني بالمواساة!

لا أعلمُ ما السبب الذي يجعل أحزاننا تبدو أقل وطأة حينما نشعر أن ثمة من يشعر بها مثلنا، ولكني تمنيت لو عرفوك، حقًا أردت ذلك، وكنت آملُ به، لكنك غافلتنا جميعًا وذهبت دون وداعٍ حتى!

 

وقد كان لديّ بعض الخطط بشأنك أيضًا، كنت سأعرضها عليك ذات لقاء، فقد كنتُ أتذكر مشاركتك لي بالزغاريد في زفاف خالتك، حين قررتُ أن أعرض عليك صفقة مربحة لي بطرفيها!

وهي أن تزغرد لي في زفافي، وأزوجك ابنتي. وفكرتُ حينها أنك سترفض كعادتك مع كل عرضٍ مني، ولكني كنت سأجدُ طريقةً أدفعك فيها للموافقة، أو هكذا حلمتُ وأنا أفكر فيك يومًا غير عالمةٍ ما تُخبئ لنا الأقدار من وجع.

 

(آه.. نسيت أن أخبرك المرة الماضية، أن أحدٌ لم يمس هواتفي؛ فلم يكن هنالك من هو مثلك يقوم بخداعي لجعلي أستخدم الرمز البديل للبصمة، ويغافلني بحفظه، لأتفاجأ بهاتفي مفتوحًا في يده!

ولم يُسعدني هذا الغياب بشيء، وتمنيتُ لو بقيت وأخذت هواتفي جميعًا).