بقلم/ داليا فرج الطواب
الحياة في جوهرها ليست مجرد صدفٍ متراكمة أو أحداثٍ تقع لنا رغماً عنا، بل هي في الحقيقة “سلسلة من الاختيارات” التي نتخذها كل يوم؛ من أبسط الأمور كاختيار كتاب نقرأه أو وجبة نتناولها، وصولاً إلى القرارات الكبرى التي تغيّر مجرى حياتنا المهنية أو الشخصية. لكن اللافت في عصرنا الحالي أن عملية “الاختيار” لم تعد ممتعة أو سهلة كما كانت في السابق، بل تحوّلت إلى عبء نفسي يطارد الكثيرين بسبب كثرة البدائل وضغط المقارنات المستمرة التي تفرضها علينا وسائل التواصل الاجتماعي.
نحن نعيش اليوم عصر “الوفرة المُربِكة”، حيث تجد أمامك مئات المسارات والخيارات في كل شيء، وهذا التعدد لا يمنحنا الحرية دائماً، بل أحياناً يُصيبنا بـ”شلل القرار”. نخشى أن نختار مساراً معيناً فنندم على ضياع المسارات الأخرى، وهو ما يُعرَف بـ”الخوف من فوات الفرص”. هذا القلق يجعلنا نؤجل قراراتنا، أو نترك الآخرين يقررون بدلاً منا، هرباً من تحمّل مسؤولية النتائج. والحقيقة أن الهروب من الاختيار هو في حد ذاته اختيارٌ للبقاء في منطقة الحيرة، وهو استنزاف للطاقة لا يقل أثراً عن اتخاذ قرار خاطئ.
علاوة على ذلك، نجد أنفسنا كثيراً ما نختار بناءً على “توقعات الآخرين”، لا بناءً على رغباتنا الحقيقية. نختار التخصص الذي يُرضي الأهل، أو نمط الحياة الذي يبدو براقاً في أعين المجتمع، لنجد أنفسنا في النهاية نعيش حيواتٍ لا تشبهنا. إن قوة الاختيار الحقيقية تبدأ عندما نمتلك الشجاعة لنقول “لا” لكل ما لا يناسبنا، حتى لو كان مغرياً، ونقول “نعم” لما يتوافق مع إمكانياتنا وظروفنا الواقعية. فالاختيار الناجح ليس هو البحث عن “الكمال”، بل هو القدرة على تحديد الأولويات بوضوح والتركيز على ما يمنحنا الرضا النفسي والاستقرار.
في النهاية، يجب أن ندرك أننا نُصقَل من خلال اختياراتنا؛ فكل قرار نتخذه هو لبنة في بناء شخصيتنا. لا توجد ضمانة بأن تكون كل اختياراتنا صائبة بنسبة مئة في المئة، لكن الجمال يكمن في التجربة ذاتها، وفي قدرتنا على التعلّم من “الاختيارات المتعثرة” لكي نصبح أكثر حكمة في المستقبل. إن حياتنا هي مجموع ما قررنا أن نفعله، وما قررنا أن نتركه خلف ظهورنا؛ لذا تعلّموا أن تختاروا بقلب شجاع وعقل واقعي، فالاختيار هو الأداة الوحيدة التي نمتلكها لنرسم بها طريقاً يشبهنا وحدنا.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي