كتب: محمد عبد اللوي
هذا الليل الذي لا يرحم أحدًا، ويجعلك تسبح في غير ليلِه، وتناجي نُجومه، وتأتيك خيالاتُه؛ حتى تلومَ القمر و يضجر منك السَّمر، فتعرف أن لا ليلَ لقلبٍ مكلومٍ، وعقلُ فِكرهِ غير معلومٍ، فلا تستقيم له فكرةٌ، ولا يحضُر له رأيٌ يُريح أو يجعل البال يَستريح كنائمٍ استيقظ لتوِّه عنوةٌ دون رغبة، ومن شدة هلعه قام يقتفي أثر ضوء يُونس وَحشته؛ فَداس على أحلامه دون شعور، دون أن يدري أنها فقط ركام زجاج مكسور؛ فكل كسرٍ يجبر إلا كسر خاطر أحد رأى فيك الضوء، أو تخيَّل أنك تملك بعضٌ من وهجِ الولاء للشعور، وأنَّك روح رغم عيوبها، أُنْسها دائمُ الحضور تصبح بعد كل كسر أكثر حذرًا، أو بمعنى أدق أكثر خوفًا، فما تراهن عليه ليس سوى قلبك، هكذا يتصوره البعض؛ ذاك البعض الذي لا يدري أن كلَّ رزقِك، هو ذلك القلب الذي تحميه من خدوش الحياة، خدوش الكلمة، والنظرة، والخيبة؛ وأشد ذلك إذا كانت مِمَّن قفلت عليه داخل قلبك، وَوَسّدته بَراح رُوحك؛ فصار سلطان نفسك وهواك، وارتوت به رياحين مُناك، وبه استوت أحلامك ورُؤاك هي الحياة اللعينة؛ تلك التي تفرض عليك ذئابها، فتسرق منك أعز ما تملك، بل وتقودك؛ لكي تصبح في دروب الجنون ضيفًا دائمًا، لا قدرة لك على الخروج أوالهروب منها.
هكذا كانت قصتها، كانت مليئة بالتجاعيد المُبهمة، من العلاقات المُلتفة، الكثير من الأسرار والذكريات المُتكسّرة؛ لدرجة أن تكره الحياة لمجرد أنك عرفت وجه الحياة السيِّء معها، فنحن نعلم أن الحياة ليس جنة عَبق، ولا روضة بساتين لِمن استبق، بل هي عملُ جهدٍ بالنهار، وتعب ومشقة وشجاعةُ قرار؛ شجاعة لا تعطيك الحق في اتخاذها، ولا تنتصر لك؛ لكي تلازمها، المهم أن قصة هذه الفتاة كانت عجيبة غريبة، متاهة دون قلب، قلب وسط متاهة، تنعدم فيها التعريفات المنطقية، لا هي بالحزينة ولا بالسعيدة، لا هي بالمنعزلة ولا بالاجتماعية، إنسانة حساسة؛ لدرجة أن تترك نفسها للمهالك؛ لأجل أن ترضي الآخرين أو تسعدهم -حسب قولها- لكي تظهر لهم وشاح القوة الزائف، رغم أن الوهن قد تساقط عليها وأكلت منها الالام كل فرحة وبهجة.
أثناء كلام حبيبها السابق، قال وهو يتكلم عنها بحب:
وإني قد أحببت زهرة صغيرة صِغر الورد بين أساطين الأشجار، جيدها كعود المسك، وطلَّتُها كعيون الريم أحببتها خفية لا يظهر جمالها للعوام، متمسكة ببساطتها وحبها للبسيط من كل شيء هكذا اختارها قلبي، رقيقة لطيفة كحروف النَّقط على الحروف؛ ولكن دخولها على الأشياء يغير المعنى جميعه.
هكذا اختارها قلبي، وعبرها اختاروا أن يسلبوا قلبي دفعة واحدة.
يقال: بأن قوانين الحياة تدخل إلى صلب حياتنا قبل أن نعي بها، نتصرف داخل دواليبها دون معرفتها بشكل مباشر، غير أنك تجد نفسك لا تتقبلها؛ فتكون عقوبة المعرفة، الندم الشديد الذي يمنعك من القبول أو التغيير، من الرضى أو حتى الندم.
هكذا يمكن وصف مسرحية حياتها هي، كل الأدوار فيها مجهولة، وجميع المشاهد متقطعة وغير متقاطعة، بحيث أن الجمهور ذو حضور كلي، والشخصية الرئيسية في شبه وجود تام، كل المشاهدين يصفقون على دموع البطلة؛ حتى المخرجة تبني نجاح عملها انطلاقٌ من ابتسامة الجمهور المرسومة زيفًا، دون النظر الى تقاسيم دموع بطلتها، فهَمُّها الوحيد وفرحها الرغيد في رضى المتفرجين على مأساة شخصيتها الرئيسية هكذا هي، مسرحية دموع؛ لأجل فرح زائف.
دعنا من الجانب الدرامي، فحياتها معقدة؛ لدرجة أن لا دور يستطيع تحمل ألمها، ورغباتها، وأحلامها؛ فكل يوم عندها هو عبارة عن فيلم سينمائي مؤسف، تغلب عليه المونو دراما الظاهرة والسيكو دراما الخفية، والحوارات المتعبة أو بمعنى أدق المونولوج الصامت داخليًا، والنقاشات المعادة والمعتادة؛ لدرجةٍ تكسر الظهر وتُوجع مُقلة العين من الدمع، لكن الجميل في الأمر كله والاستثنائي النادر، أنه رغم كل هذه المتناقضات المتشابكة، هي كملاك طائر، كفها يَزِن كرم المشرق والمغرب، وروحها تسع سنوات الماضي والمستقبل، وقلبها يداري هموم الحياة منذ عهد كليوباترا، ونيفرتيتي، وعشتار إلهة الحب والجمال.
صورة ملائكية، وقالب سنفوريٌّ، يصبيك بالدهشة واللهفة هكذا هي سُنن الحياة، قلب أخضر داخل صحراء قاحلة مقفرة.
صدقوني؛ حتى أنا لم أفهم سر هذه التركيبة، كأنها قبس من حكايات جومانجي العجيبة، عقدة أوديب من نوع آخر، وطريقٌ بَرُّه وبَحرُه واحد.
قلت لكم: حياتها متاهة دون قلب أو قلب دون متاهة.






المزيد
إيناس وويثرب (قصة قصيرة للأطفال)
وجوه لا تُرى (قصة قصيرة)
وجع مرئى :بقلم :سعاد الصادق