مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

صُفعتُ صفعت القدر في ذلك اليوم

كتب: ياسين نعمان

 

إتصل لي ذات يوم؛ لكي أحادثه مساءًا كالعادةِ حينها كنت مُتعب، فأخلدتُ للنوم عندها مبكرًا؛ فإذ به يتصل في الحادية والنصف ليلًا على إثر الإتصال أستيقظتُ لأرد على إتصاله، لم يرد أحدًا ممن كان عندي من الأخوة والزملاء كوني طالبًا وأعيش بجانب أشخاص نتقاسم الشقة جميعًا لم يرد أحدًا؛ لخصوصية بعضنا البعض، أستيقظت وإذ برقم المتصل رقم الشخص الأغلى على قلبي؛ أما الأسم فكنت أحمد الله لرؤيته على شاشة هاتفي فقد كان ( أبي الغالي ) أجبت سريعًا؛ حتى لا يُغلق الخط، فيعرف بإني نائمٌ، فلا يعاود الإتصال وعندها سأحزن؛ لأني لم أرد عليه .

أجبت وبدأ بالسلام ورددت عليه السلام وأثنيت عليه كما يفعل الأبناء لأبائهم، سألني عن حالي أجبته: في أحسن حال كيف لا يكون كذلك وأنا أسمع صوتك يا سيدي؟ مجرد سماع صوتك يشحن المحبة في عروقي ويروي عطش الحنان بسبب الغربة يا أبي، دعا الله لي ونتحدث عن أمورنا كالعادة حينها كان يشكو لي من بعض المتاعب حدثت معه، نعم كنّا نتشارك المشاكل مع بعض، كنّا أصدقاء وأخوة لم نكن أب وابنه؛ فكنت أهون عليه وسيصلح الله كل أمرًا، قال: ونعم بالله العلي العظيم الله ما أجملها حينما سمعتها! وأوصاني وكل أمرك لله، فأمرك وأمورنا جميعًا بيده يا ياسينو، هكذا كان يناديني فداه العيون مرت نصف ساعة ونحن نتحادث عندها قال لي: سأنتقل إلى المدينة التي أنت جالسًا فيها؛ لبعض الأعمال، فسُررت كيف لا أُسر وهو سيأتي إليَ؟ فودعنا بعضنا بنلتقي غدًا بإذن الله في أمان الله ربنا معكم .

في اليوم التالي كُنت أتصل له فلم يكن يرد بل لم تكن هناك شبكة في هاتفه، قلت شيء طبيعي بعض المناطق لا توجد فيها، بعد الظهيرة عاودت الإتصال بدأ يرن هاتفه، ففرحت لكن سرعان ما تبدل فرحي؛ لخوف شديد أذكر هذا الموقف، فأخاف كذلك اليوم، لم يجب أبي بل أجاب أحدهم على الهاتف مهلاً أليس هذا هاتف والدي وذكرت أسمه ( نعمان ) قال بلى؛ لكن إنه ليس في وعيه ماذا؟ ماذا تقول ماذا حدث له؟

أظنه مريض قال هكذا، قلت له رجاءًا أسعفوه إلى أقرب مشفى قال “خيرًا” عندها تكدر شعوري بدأت أوهام تأتيني لم أستطع الجلوس ولا النهوض فكري وتفكيري هناك عنده عنده آهٍ يا أبي، عاودت الإتصال بعد ساعات لم يرد أحدًا؛ فدي الرعب في أوصالي وكنت أتمنى ألا يحدث ما أفكر به.

  بعدها يتصل لي أحد أقاربي، فلم أجب وبعدها إتصال آخر كان المتصل خالي أجبت قال: تعال إلىَ قلت :خيرًا قال: والدك في المشفى ولم يستطع المجيء سنذهب ونأتي نحن وإياه، أنا أعرف والدي في أشد مرضه لا يتوقف في أي مكان؛ حتى يصل إليه قلت: اللهم سلم، اللهم سلم، وصلنا للمشفى أنا، وخالي، وعمي دخل خالي قبلنا وأنا وعمي نمشي بعده؛ فإذ بعمي يمسكني ويحظنني ولدي أنت تعلم بأن الموت قضاءٌ وقدر، فأنتفض جسدي كاملاً وقلت: لا لا دعني أذهب، لكنه كان متشبت بي وهو يبكي لم أراه يبكي إلا ذلك اليوم كالطفل ينحب وقال: رحم الله أخي نعمان، لا يا عماه، أبي لم يرحل لقد وعدني بالمجيء وعدني بالمكوث عندي لدينا أهداف مشتركة في الحياة سنحققها معًا؛ لكن قدر الله كان أسرع، تفجرت شرايين قلبي من شدة الحزن لم أستطع التحدث أتركني؛ لأذهب إليه هو ينتظرني وركضت سريعًا وهناك أحسست بصفعة القدر هناك كُسرت أحلامي وتحطم الجدار الذي كنت أستند عليه صار الجبل الذي أتكئ عليه هباءًا منثورًا، عندها علمت بإن بابٌ من أبواب الجنة أغلق وأن سيد البيت رحل وأنطفأت شمعة بيتنا وحل الظلام الدامس، فيما بيننا رحل أبي ولم نلتقي كما كنا نخطط رحل أبي وتركني في صدمة لم أشفى منها إلى الآن وقد مر سنتان وبضعة أشهر رحل ووضعني في موقفٍ صعب، نعم لا زلت في بداية حياتي؛ لكنها أقدار الله، لم أكن أردد في ذلك اليوم إلا” إنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل” كان الجميع يواسونني عبر الهاتف ومن كان بجانبي؛ لكني كنت في عالمٍ آخر لم يكن يعبر عمّا أشعر به سوا دموعي المنهمره بغير وعي، وحتى في سجودي لم تتوقف الدموع أثناء أرحم والدي يا الله؛ بينما كنت أردد أحفظه وأمده بالصحة والعافية يا الله، لم يستطع لساني نطق دعاء الميت؛ لأنه لم يصدق رحيله، حتى هاتفي كان يشتاق لرؤية رقمه وأسمه، توقفت الإتصالات والرسائل.

منذ ذلك اليوم وأسراري ومشكلاتي لم تخرج؛ لشخصًا غيره تطحن عظام صدري، فأتحمل الألم رحمة بوالدي على أن أبث لأحد أمرًا لا يعييه اهتمامًا؛ فيكسر خاطري وقلبي وهو أساسًا مكسور.

 

الدموع لا تتوقف عند ذكر حادثة رحيلك رحمك الله وأسكنك فسيح جناته.