مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

معادلة الجمال.

كتبت: إسراء عبد السلام.

 

“حقًا نحنُ نقع في حب العقول والأرواح” فحينما نألف أحدهم أو إحداهنّ، لا يكون ذلك للشكلِ والملامح فقط؛ بل لأرواحهم وعقولهم، لخفة ظلهم وحلاوة طبعهم وذاكَ الأمان الذي نستشعره بكنفهم، حاشا للّه أن يخلق بشرًا قبيح، ولكنّه الإنسان الذي يقبح نفسه بنفسِه، بسوءِ ظنه تارة، وبيأسه تارة، وبإحباطهِ تارة أخرى، اللّه خلق الإنسان بالأصلِ كريمًا مكرم عزيزًا فلم يرضى به حيوانًا ولا نباتًا ولا جمادًا، ولكنه خلقه إنسان مكرّمًا، وأخبرنا أنه كرم بني آدم الروح تلتصق بشكلٍ أو بآخر في تفاصيلِ البدن وملامح الوجه، فإن كانت الروح طيبة، مرحة، محبّة، ستضفي على ملامح الوجه بهجةٍ وألفة وراحة خاصة، حتمًا ستضفي عليها قدرًا وافر من القبول، كما أخبرنا الله عزوجل {سيماهم في وجوههم من أثرِ السجود} أتذكرُ زميلةٌ لي في الصفوف الإعدادية، كانت تمتلك عيون خضراء وشعرًا أصفر وبياضًا أشقر، كانت ببساطةٍ تمتلك ملامح أوروبية، ولكنها كانت فظة غليظة قليلًا، كلامها ليس مُريحًا بالمرة، كان طبعها ضاغي جدًا على ملامحها، فما كنتُ أراها جميلة البتة، وكأن سوء طبعها قد ذهب بهذا الحسن الذي أودعه اللّه فيها وطغى علىٰ سمتها العام، كما أنني أتذكرُ أحد الأساتذة الجامعيين لي، فقد كنتُ أنا وزميلاتي نحبُّ شرحه، وخُلقه، وسمته، كان ضحوكًا، ذو سمت طيب وروحًا فائقة الجمال، وشخصيةٍ جادة حازمة فلا يقبل بالهزلِ ولا بالظلم، كان شخصًا طيبًا، كان يفهِّمُنا الدنيا وما فيها من معاني وعبرٍ وحكمٍ، كان يسرد على مسامعنا العلم كما ينبغي أن يسرد ويُعلَّم، كان فقيهًا في تخصصه، عالمًا بدقائقه وخباياه، كان صارمًا للغاية فالذي يراه ربما يهابه من شدته ووقاره، لكننا كنّا نعلم قلبه الطيب وروحه الحنونة وعطفه الأبوي علينا جميعًا، كان في نظرنا كل معاني الحسن التي خُلفت وتجسدت في بشرٍ، فروحه الطيبة وقلبه المستقيم السليم، كانا طاغيان وبشدةٍ على ملامحه القمحية وهيئته البدينةُ قليلًا، وطوله الغيرُ فارع، فملامحه فقط كانت توحي بشيء، فالذي يراه من المرةِ الأولى ربما يقول ما أغلظه وما أشده، لكنّ قلبه كان ساحة واسعةً من الجمال، وكنّا فعلًا نراهُ في غاية الجمال، كنّا نرى فيه جمال الخِلقة والخُلق؛ لأنه فقط جمّل روحه وقلبه من قبل، بأجلّ المعاني والقيم ودقائق المعرفةِ ومدارك الفهم فطالما أنّ الإنسان خلق خلقة سويّةً، عليه أن يتنعم بهذا الفضل من اللّه له، حقٌ له أن يفرح ويستشعر نعمة الخالق عليه، ولا يدع لقلة الثقةِ سبيلًا إليه أو لقلبهِ فالجمال في نظري، معاني وليس ملامح، قيَم يتعامل المرء بها، وروح محبة، نقية، حنونة، مرحة، تطغى على الملامحِ والوجهِ حتى نألف صاحبها تمامًا ونستشعر أن خلقَهُ قد تجسد في وجههِ، وطغىٰ على ملامحهِ وينظر الناس للجمال على أنّه معادلة صعبة، لكنه عندي ملامح رقيقة، ونفس طيبة وبدن نظيفٍ طيب، وهيئةٍ مهذبة، وقلب سليم، وروح مرحة حنونة محبة، فللأبدان ملامح متغيرة لكنّ معادلة الجمال عندي واحدة ربما يصادف أن نُحب من هم من حُسن الخلقة والخُلقِ بمكان، لكنّ نسيم الحب، لم يوجد بسببِ حسنٍ في الخلقة فقط، بقدر أن يسعفهُ حسن الخُلق ومرح الروح وسلامة القلب؛ ربما يصادف أن نُبغض أو لا نُحب من هم ليسوا على سجية الحسنِ، ولكنّ ذلك أيضًا ليس لقلة زادهم ونصيبهم من جمال الخِلقةِ و الحسن، بل لنفورٍ أعترىٰ أرواحنا لعدم إنسجامها مع أرواحهم، ليس لشيء بقدر أننا لم نجد ملجأ ولا متسع في كنفهم، فالقاعدة الحاكمة علىٰ الجمال عندي، أنّ الجمال جمالُ الروح والخلق والطبع لا حسن البدن والملامحِ والوجه.