مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قصص وحكايات “الحروب البونية”

بقلم/ عبدالرحمن غريب

قصة اليوم التي يعرف معظم الناس بعض تفاصيلها، أن روما هي أقوى دولة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهي الإمبراطورية العريقة التي امتلكت ولايات في أفريقيا، مقدونيا، إسبانيا، آسيا، وبلاد الغال. لكن اليوم دعوني أروي لكم قصة الحروب البونية التي جعلت من روما إمبراطورية.

بدأت الحكاية في عام ٥١٨ ق.م. حين أبرمت روما أول معاهدة مع دولة خارج شبه الجزيرة الإيطالية، وكانت هذه المعاهدة مع قرطاجة، وكان هدفها الحد من النشاط التجاري لروما في غرب البحر المتوسط. كانت قرطاجة من أقوى المدن عسكريًا واقتصاديًا في ذلك الوقت. (قرطاجة هي مدينة أنشأها المستعمرون من مدينة صور الفينيقية حوالي ٨٠٠ ق.م. ومن هنا جاءت الكلمة اللاتينية “بوني” التي أُطلقت على قرطاجة، ولذلك سُمّيت الحروب التي وقعت بين روما وقرطاجة بالحروب البونية. بالمناسبة، قرطاجة هي تونس حاليًا).

الحرب البونية الأولى (٢٦٤–٢٤١ ق.م.)

السبب كما يذكر التاريخ هو ظهور قوى اقتصادية وعسكرية جديدة تسعى للتوسع والمزيد من السلطة، فقررت قرطاجة السيطرة على مدينة ميسينا، وهو مضيق بحري هام يقع بين إيطاليا وصقلية. أعلنت الجمعية الشعبية في روما الحرب على قرطاجة، ورأت أن سيطرة قرطاجة على المضيق تعني إعلان الحرب على روما. دارت معركة شرسة بين القوتين، وألحقت قوات قرطاجة بقيادة القائد هاميلكار خسائر كبيرة بروما، مما دفع روما إلى إنشاء أسطول قوي. انتهت الحرب لصالح روما ووقِّعت معاهدة سلام بين الطرفين، وانضمت صقلية وكورسيكا وسردينيا إلى الولايات الرومانية.

بعد الحرب، أرادت روما استعادة نفوذها وقوتها بعد الخسائر الكبيرة، وفي تلك الفترة استطاع هاميلكار إخضاع جنوب إسبانيا، لكنه قُتل عام ٢٢٨ ق.م. استكمل الحلم القرطاجي زوج ابنته هازدروبال، وأنشأ قرطاجة الجديدة في إسبانيا، لكنه اغتيل لاحقًا، حتى ظهر بطل الحرب وفارس قرطاجة: هانيبال بن هاميلكار.

الحرب البونية الثانية (٢١٨ ق.م.)

استطاع هانيبال السيطرة على شبه جزيرة أيبيريا، وعزّز علاقاته مع قبائل الغال، العدو الأول لروما، فكوّن جيشًا قويًا لتحقيق حلم قرطاجة القديم. كانت أول معركة في وادي البو، وانتصر هانيبال، ثم أراد السيطرة على جنوب إيطاليا.

قررت روما تعيين فابيوس ماكسيموس ديكتاتورًا، واتبع خطة حرب استنزاف بقطع المؤن عن جيش قرطاجة، لكن الديمقراطيين رفضوا هذه الخطة، وأرادوا المواجهة المباشرة. حدثت معركة كاناي، حيث مُني الرومان بأسوأ هزيمة في تاريخهم، إذ قُتل أكثر من ٢٥ ألف جندي وأُسر ١٥ ألفًا، وهرب قائد الجيش.

ثم ظهر من يعيد أمجاد روما، القائد كورنيليوس سكيبيو الملقب بـ”الإفريقي”، ووقعت معركة زاما عام ٢٠٢ ق.م. التي انتصرت فيها روما أخيرًا على هانيبال. فرّ هانيبال إلى سوريا وانتحر بالسم. ووقعت قرطاجة معاهدة مذلة تقضي بتسليم أسطولها وأسلحتها ودفع مبلغ ضخم لروما، وأصبحت إسبانيا ولاية رومانية.

الحرب البونية الثالثة (١٤٩–١٤٦ ق.م.)

اندلعت بسبب جشع بعض التجار والإقطاعيين وسعيهم لسحق تجارة النبيذ والزيتون، وهي حجر أساس اقتصاد روما. أعلنت روما الحرب وانتصرَت بحلول عام ١٤٦ ق.م. على قرطاجة، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل سقطت قرطاجة بالكامل في يد روما.

أصبحت روما بعد هذه الحروب الإمبراطورية الأقوى في حوض البحر المتوسط وقوة لا يستهان بها، وتحدثت عنها جميع كتب التاريخ بوصفها سيدة العالم القديم.