كتبت: فداء شحدة بركة
في منتصف الفجر مع ظهور أوّل خطٍّ للشّفق الأحمر وسط نجوم اللّيل، تستيقظ أمّي على أصوات صواريخ الطائرات الّتي سقطت وانفجرت قرب موقعٍ قريب؛ من الخيمة الّتي نسكن فيها أنا وإخوتي.
يبدأ أبي بإشغال النّار على موقدٍ يكاد يهترئ من خيبات البشر خلال عشرة شهورٍ من الحرب، وهم صامتون على ما يحصل هنا.
تأتي أمّي بالماء الّذي حصلنا عليه من” صهريج إغاثيٍّ” يوم أمس؛ بعد معاناةِ يومٍ طويلٍ للحصول على قدرٍ من الماء العذب، ثمّ تضعه في إناءٍ معدّ للوضع على النّار وتقوم بغليه، ثمّ تقوم بتصفية الدّقيق – بالمنخال – من التّراب ودم الشّهداء، وعَرق أبي الّذي هطل بعد ركضه من موتٍ محتّم، بعد أن سقطت آلاف القذائف على معلم يُقال إنّه إنسانيٌّ ، وهو دقيقٌ مغمّس بدم الشّهداء الطّاهر الّذي سقط وهم ينتظرون قوت أولادهم.
تعجن أمّي العجينة مع دموع الخيبة والحسرة على فقدها أخي الكبير وهو ينتظر هذه المساعدات ليحيّ إخوته من خطر مجاعةٍ كبيرةٍ .
ترقّ الخبر بعد أن صلّت فرضها ودعت ربّها أن يرحم ابنها الشّهيد.
أبي يقوم يقوم بإشعال الفرن من أبوابٍ وموائد ومقاعد خشبية وذلك ماتبقّى من منزلنا المدمّر، ويحرق الكتب والدّفاتر المدرسيّة لأنّ التْعليم انتهى بسبب الحرب
تضع الخبز بالفرن وتقوم بتحميره ورائحته تملأ المكان أملًا وحبًّا بالحياة ، ورسالتها أنّنا ما زلنا أحياء وسنبقى أحياء.
مع طلوع الشمس تكون أمّي قد انتهت من الخبز والعجين، فتضع لنا فطوراً محتواه خبز بطعم الكرامة والصّبر وحبّ الحياة، والصّمود على أرضٍ وقودها أبناء شعبها.






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق