مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

تجفيف ينابيعُ التسوّل

بقلم: يحيى القطب 

في الثالث من مارس عام 2016 تصدّر خبر لافت العناوين الرئيسية: سقوط عصابة «سماسرة البراءة» فى شوارع القاهرة بحوزتهم 19 طفلا
الشرطة المتخصصة في توجيه ضربة أمنية موجعة لمافيا استغلال الصغار، حيث تمكنت من ضبط تشكيل عصابي يضم 12 متهماً، من بينهم 5 سيدات، تخصصوا في استغلال الأطفال الأحداث في أعمال التسول واستجداء المارة وبيع السلع بطريقة إلحاحية مهينة بمختلف أحياء محافظة القاهرة.
لم يكن هؤلاء الأطفال متسولين بالمعنى التقليدي، بل كانوا عمالًا في تجارة خفية اسمها التسول.
هذا ليس كلام جرائد بل حقيقة، أنا وأنت نراها كل يوم عند إشارات المرور المزدحمة، ستجد ذلك الطفلٌ النحيل الذي يمدّ يده إلى السيارات العابرة.
يمضي الناس في طريقهم بين مشفقٍ يعطيه جنيهات، أو متبرّمٍ يصرف وجهه عنه.
لكن قليل منَّا سيتأمل هذا ويسأل: كيف وصل هذا الطفل إلى هنا؟
فالمتسوّل الصغير الذي نراه هناك في الطريق ليس قصة واحدة… بل هو نهاية عشرات القصص المأساوية…
نهاية حكاية طويلة من الانكسار الاجتماعي، تبدأ في البيوت، أو في الأزقّة الفقيرة، أو في العشوائيات المنسية، ثم تنتهي عند نافذة سيارة متوقفة.
إن التسوّل في ظاهره يدٌ ممدودة، لكنه في حقيقته شبكة وقنوات تنتهي بالينابيع التي تصبّ جميعها في الشارع.
وإذا أردنا أن نقضي على هذه الظاهرة بحسم، فلا يكفي أن نطارد المتسوّلين في الطرقات، بل يجب أن نجفّف تلك الينابيع أولًا انهيار الأسرة… وإلقاء الطفل في الطريق:
كثيرٌ من الأطفال الذين نراهم في الشوارع لم يخرجوا إليها اختيارًا، بل دُفعوا إليها دفعًا.
أبٌ يقضي سنوات في السجن، وأمٌّ عاجزة عن تحمّل أعباء الحياة، فتجد في يد طفلها الصغيرة مصدرًا للدخل.
وفي حالات أخرى، لا يكون العجز هو السبب، بل طريقة تفكيرٍ ترى في الطفل موردًا اقتصاديًا لا أمانةً ينبغي حفظها.
والحق أقول لكم أن القانون قد يجرّم استغلال الأطفال في التسوّل، لكن المشكلة أعمق من مجرد نصوص قانونية.
فالقوانين وحدها لا تكفي إذا لم تُطبّق بصرامة، وإذا لم يُسأل الأبوان قبل غيرهما عن مصير الطفل الذي يُدفع كل صباح إلى الشارع، ستصبح القوانين مجرد حبر على ورق…
فالطفل الذي يتسوّل ليس مذنبًا؛ المذنب هو من يدفعه إلى ذلك.

ثانيًا أطفال بلا جذور:
ثمّة فئة أخرى أكثر مأساوية: الأيتام، واللقطاء، وأبناء الشوارع الذين نشأوا خارج منظومة الأسرة أصلًا.
هؤلاء لا يجدون من يرحم طفولتهم أو يراعى مستقبلهم، فينشأون على هامش المجتمع، ثم يتحول الشارع إلى مدرستهم.
التسوّل هنا يصبح مجرد خطوة أولى في طريقٍ قد يقود لاحقًا إلى الجريمة أو الضياع.
فالطفل الذي لا يجد أسرة… يجب أن يجد دولة!
رعاية حقيقية، وتعليمًا مهنيًا، ومتابعة اجتماعية لا تتركه يتيه في الشوارع.

ثالثًا العصابات… الاقتصاد الخفي للبؤس:

لكن الصورة لا تقف عند حدود الفقر أو التفكك الأسري… فخلف بعض الأطفال والعجزة الذين يتسوّلون في الطرقات شبكاتٌ كاملة تدير هذه الظاهرة.
تجمع الأطفال، وتوزّعهم على الشوارع، وتفرض عليهم حصيلة يومية من المال.
وما يظنه الناس صدقة عابرة قد يتحول في نهاية اليوم إلى أرباحٍ تذهب لجيوب غير مرئية.
إن المتسوّل الذي نراه في الطريق قد يكون مجرد واجهة… أما المستفيد الحقيقي فقد لا يظهر أبدًا.
ولهذا فإن مواجهة هذه العصابات لا ينبغي أن تكون مجرد حملات عابرة، بل مواجهة حقيقية للجريمة المنظمة.
رابعًا العشوائيات… حين تُولد المأساة:-
على أطراف المدن تنمو عوالم كاملة لا تشبه المدينة في شيء… بل أشبه بحياة أشد تدنّيًا من حياة الجاهلية.
أحياء مكتظة، ضيقة، تفتقر إلى التعليم الجيد والخدمات الأساسية.
في مثل هذه البيئات قد يكبر الطفل وهو لا يرى طريقًا واضحًا للحياة، فيصبح الشارع أقرب الخيارات إليه.
الفقر وحده لا يصنع التسوّل، لكن الفقر إذا اجتمع مع الجهل والإهمال يتحول إلى كارثة اجتماعية.

خامسًا حين يصبح الفقرُ ذريعة:-
لا شك أن الفقر أحد أهم أسباب الظاهرة، لكن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أن الفقر ليس عذرًا دائمًا لاستغلال الأطفال.
كم من أسرٍ فقيرة تحرس أبناءها من الشارع بكل ما تملك من كرامة وصبر.
وكم من أسرٍ أخرى تدفع أبناءها إليه رغم حصولها على دعم اجتماعي مثل برامج الإعانة الحكومية.
إذن فالمشكلة الحقيقية: ليست كل أزمة التسوّل أزمة مال… أحيانًا تكون أزمة وعي ومسؤولية، فأخطر أنواع الفقر ليس فقر الجيب، بل فقر الضمير.

الحل هو تجفيف الينابيع :-
إن القضاء على ظاهرة التسوّل لن يتحقق بمجرد مطاردة المتسوّلين في الطرقات، بل بتجفيف المنابع التي تصنعهم:
– تطبيق صارم للقوانين التي تجرّم استغلال الأطفال.
– ربط الدعم الاجتماعي بانتظام الأطفال في التعليم وعدم وجودهم في الشارع.
– رعاية حقيقية للأيتام وأبناء الشوارع، ومراقبة حقيقية لدور الرعاية؛ تشمل مراجعة إدارية وصحية ومالية.
– مواجهة حازمة لعصابات التسوّل والقضاء عليها.
– برامج تعليم وتوعية تغيّر ثقافة استغلال الطفل.

إن الطفل الذي يمدّ يده عند إشارة المرور لا يخسر يومه فقط… بل يخسر مستقبله كله.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نعطي المتسوّل أم لا؟
لكن السؤال الحقيقي: كيف نمنع أن يولد متسوّل جديد كل يوم؟
فإذا جفّت الينابيع التي تصبّ في الشارع…
اختفت الظاهرة من الشارع نفسه.