مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الغيرة حارس الحب أم جلاده

بقلم: يحيى القطب 
في أحد المشاهد الطريفة من فيلم بلبل حيران، تدخل هالة غاضبةً وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها، وتسأل بلبل بنبرة حادة: «عرفت تضحك أوي دلوقتي، صح؟»
يحاول بلبل أن يفهم سبب الغضب، فيقول مبتسمًا: «هو في إيه يا هالة؟ انتي بتغيري ولا إيه؟ خدي بالك… البنت اللي بتغير بتبقى مش واثقة من نفسها. وبعدين أنا أصلاً ما بحبش موضوع الغيرة ده… لأنه بصراحة خنقة.»
فترد بانفعال سريع: «خنقة؟! أنا خنقة عشان بس بسألك رايح فين وجاي منين، وبترجع الساعة كام، وتكلمني قبل ما تنزل، وتكلمني أول ما تروح، وتقابل مين صدفة، ومين بيكلمك في التليفون، وما بتردش على مين وبترد على مين…»
فيبتسم ساخرًا ويقول جملته الشهيرة: «طب ومين فينا اللي هيرضع؟»
المشهد يضحك كثيرًا، لأننا نرى فيه مبالغة كوميدية واضحة، لكن الحقيقة أن الكوميديا كثيرًا ما تلتقط من الواقع أكثر مما نتخيل.
فصاحبة الغيرة المفرطة تملك موهبةً غريبة لا يملكها معظم الناس؛ إنها ترى في المواقف زوايا لا تخطر ببال أحد.
فقد يرى الناس موقفًا بسيطًا لا يتجاوز حدود اللطف أو العطف أو المجاملة، لكن عين الغيرة تمتلك عدسة تحليل خاصة، تجعل المشهد يبدو كأنه لغز يحتاج إلى فك شفراته.
الكلمة العابرة تصبح رسالةً خفية، والتعليق البريء يتحول إلى قصة محتملة، والموقف الإنساني العادي قد يُقرأ وكأنه بداية حكاية لا يعلم بها حتى صاحبها!
فلو اجتمع عشرة عقلاء يفسرون حادثةً ما تفسيرًا واحدًا شاملًا، لجاءت الغيرة بتفسيرٍ حادي عشر لم يخطر ببالهم جميعًا.
وقد يضحك المرء أحيانًا من هذا الخيال الواسع الذي تمنحه الغيرة لصاحبها، لكن خلف الطرافة حقيقة أكثر جدية.
الغيرة في أصلها شعور جميل، لأنها تعبير عن الاهتمام والخوف على العلاقة.ط، لكن إذا جاوزت حدّها لم تعد حراسةً للحب، بل أصبحت قيدًا عليه، والقلب الذي يعيش تحت ظلال الشك الدائم يرهقه الدفاع المستمر عن براءته.
خصوصًا حين يكون موجَّهًا إلى رجلٍ معروف بخلقه، حريصٍ على صورته أمام الجميع، يجتهد من أجل مكانة مرموقة، رغم ما يثقل الحياة من أعباء وضغوط.
فالمشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في واقع بقدر ما تكون شعورًا بالقلق.
بعض القلوب تحب بصدق، لكنها تحمل في أعماقها خوفًا دائمًا من الفقد؛ خوف يجعل الحب يتحول أحيانًا إلى رغبة في التملك لا إلى طمأنينة.
ومن هنا تولد الغيرة التي لا تهدأ، الغيرة التي قد تفسر المواقف البسيطة بتفسيرات بعيدة، لا لأنها تقصد الظلم، بل لأنها تخشى الخسارة.
ولهذا يبقى الاعتدال هو سر التوازن في كل علاقة.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى المكان الذي يشعر فيه بالتقدير والطمأنينة…
وحين تضيق مساحة الثقة، قد يجد نفسه — دون قصد — ينظر إلى مرآة أخرى يرى فيها صورته أقل اتهامًا وأكثر قبولًا.
ليس لأن القلب أراد الرحيل، بل لأن النفس تميل دائمًا إلى الموضع الذي تجد فيه سكينة.
وهكذا قد تتحول الغيرة — حين تفقد اعتدالها — من حارسٍ للحب إلى جلاده.