مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كأس العالم 2026.. هل يمكن حقاً فصل السياسة عن الرياضة؟

بقلم: محمد وهيدي

على مدار عقود طويلة، ظل الشعار الأشهر في عالم الرياضة يقول إن “الرياضة تجمع الشعوب ولا تفرقها”، وإن المنافسات الرياضية يجب أن تبقى بعيدة عن الصراعات والخلافات السياسية. لكن كلما اقتربنا من حدث رياضي عالمي كبير، يعود السؤال نفسه ليطرح بقوة: هل يمكن حقًا فصل السياسة عن الرياضة؟

يُعد كأس العالم الحدث الرياضي الأكثر متابعة على وجه الأرض، حيث تتجه أنظار مليارات المشجعين نحو المستطيل الأخضر لمتابعة المنافسة بين أفضل المنتخبات. إلا أن النسخة المقبلة من البطولة، المقرر إقامتها عام 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لا تثير الجدل الرياضي فقط، بل تفتح الباب أمام نقاشات سياسية واسعة تتجاوز حدود كرة القدم.

فإلى جانب الانتقادات المتعلقة بزيادة عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخبًا، وما قد يترتب على ذلك من تراجع مستوى بعض المباريات وزيادة الضغط البدني على اللاعبين، برزت قضايا أخرى أكثر تعقيدًا تتعلق بالتوترات السياسية والعلاقات الدولية وتأثيرها على البطولة.

ومن بين أبرز الأمثلة التي أثارت النقاش مؤخرًا قضية منتخب إيران، حيث أثارت التوترات السياسية الدولية تساؤلات بشأن الجماهير والإجراءات المتعلقة بالسفر والتأشيرات والمشاركة في البطولة. ورغم أن كرة القدم من المفترض أن تكون مساحة للتنافس الرياضي فقط، فإن الواقع يؤكد أن الأحداث السياسية كثيرًا ما تلقي بظلالها على الملاعب والبطولات الكبرى.

ولعل ما يحدث اليوم ليس أمرًا جديدًا، فالتاريخ الرياضي مليء بالأمثلة التي تؤكد صعوبة الفصل الكامل بين الرياضة والسياسة. فقد شهد العالم مقاطعات أولمبية، وعقوبات رياضية، واستبعادات لمنتخبات وأندية بسبب حروب أو نزاعات دولية، كما أصبحت استضافة البطولات الكبرى جزءًا من القوة الناعمة التي تسعى الدول من خلالها إلى تعزيز صورتها ومكانتها على الساحة العالمية.

ومن هنا يبرز التساؤل الأهم: هل السياسة تتدخل في الرياضة فعلًا؟ أم أن الرياضة نفسها أصبحت جزءًا من المشهد السياسي العالمي، تتأثر به وتؤثر فيه؟

قد يكون من السهل ترديد الشعارات التي تنادي بإبعاد السياسة عن الرياضة، لكن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا من ذلك. فالرياضة لا تُمارس في فراغ، بل داخل عالم مليء بالمصالح والتحالفات والخلافات الدولية. ومع كل بطولة كبرى، يتجدد الجدل وتبقى الإجابة مفتوحة أمام الجميع: هل ما نشاهده مجرد منافسة رياضية، أم أن خلف الكواليس تدور مباريات أخرى لا تُلعب بالكرة؟

وفي هذا السياق، برزت قضية منتخب إيران باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل قبل انطلاق البطولة. فمع تصاعد التوترات السياسية بين طهران وواشنطن، واجهت البعثة الإيرانية العديد من العقبات المتعلقة بالتأشيرات والسفر، كما اضطرت إلى نقل معسكرها الأساسي إلى المكسيك بدلًا من الولايات المتحدة بسبب حالة عدم اليقين المتعلقة بإجراءات الدخول. وتشير تقارير إعلامية إلى أن بعض أعضاء الوفد الإيراني لم يحصلوا على تأشيرات الدخول، بينما أثير جدل واسع حول القيود المفروضة على تحركات المنتخب خلال البطولة. كما أُثيرت مخاوف بشأن السماح للاعبي المنتخب بالدخول قبل المباريات بفترات محدودة، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى تأثير الاعتبارات السياسية على الاستعدادات الرياضية.

ولم تتوقف الأزمة عند اللاعبين أو الإداريين، بل امتدت إلى الجماهير نفسها. فقد أعلنت جهات إيرانية أن حصة التذاكر المخصصة لمشجعي المنتخب الإيراني في مباريات كأس العالم داخل الولايات المتحدة تعرضت للإلغاء أو التعليق، وهو ما يعني حرمان آلاف المشجعين من فرصة حضور مباريات منتخب بلادهم بالطريقة المعتادة التي تضمنها لوائح البطولة لكل المنتخبات المشاركة. وأثار ذلك موجة من الانتقادات والاتهامات بأن السياسة أصبحت تتدخل بصورة مباشرة في واحدة من أهم البطولات الرياضية العالمية.

وربما يرى البعض أن ما يحدث مع إيران استثناء فرضته ظروف سياسية خاصة، لكن العودة إلى التاريخ الرياضي تكشف أن العلاقة بين الرياضة والسياسة أعمق من ذلك بكثير.

ففي دورة الألعاب الأولمبية التي استضافتها موسكو عام 1980، قاطعت الولايات المتحدة وأكثر من ستين دولة المنافسات احتجاجًا على الغزو السوفيتي لأفغانستان. وبعد أربع سنوات فقط، رد الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس. لم يكن الرياضيون طرفًا في تلك الصراعات، لكنهم كانوا أول من دفع ثمنها.

كما شهد العالم على مدار العقود الماضية استبعاد منتخبات وأندية من المنافسات الدولية بسبب حروب أو عقوبات أو نزاعات سياسية، بينما تحولت استضافة البطولات الكبرى إلى أداة من أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لتحسين صورتها وتعزيز نفوذها الدولي.

فعندما تصبح التأشيرات عاملًا مؤثرًا في مشاركة اللاعبين والجماهير، وعندما تؤثر العلاقات الدولية في حركة الوفود الرياضية، وعندما تتحول البطولات الكبرى إلى ساحات لإبراز النفوذ السياسي والاقتصادي للدول، يصبح الحديث عن فصل كامل بين الرياضة والسياسة أمرًا يصعب تصديقه.

صحيح أن الرياضة ما زالت تمتلك قدرة استثنائية على جمع الشعوب وتجاوز الخلافات، لكنها في الوقت نفسه لا تعيش في فراغ معزول عن العالم. فاللاعب يمثل وطنه، والمنتخب يحمل علم دولته، والجماهير تعبر الحدود لتشجيع فرقها، وكل ذلك يحدث داخل عالم تحكمه اعتبارات سياسية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.

ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، يبدو أن المنافسة لن تقتصر على ما سيحدث داخل المستطيل الأخضر، بل ستمتد إلى نقاش أوسع حول مستقبل العلاقة بين الرياضة والسياسة. فهل ستنجح كرة القدم في الحفاظ على رسالتها باعتبارها لغة عالمية توحد الشعوب؟ أم أن الأحداث الحالية تؤكد أن السياسة ستظل حاضرة في كل بطولة كبرى مهما حاول الجميع إبعادها؟