ثمن النجاة
الأشياء التي خسرناها كي نستمر
الكاتب هانى الميهى
الفصل الثالث
النسخة التي بقيت هناك
أحيانًا أنظر إلى صور قديمة لي، فلا أشعر أنني أنظر إلى الماضي فقط، بل إلى شخص آخر تمامًا. شخص أعرف ملامحه جيدًا، وأتذكر أحلامه وطريقته في التفكير، لكنني أشعر في الوقت نفسه أنه لم يعد موجودًا كما كان.
الحياة لا تغيّر ملامحنا فقط، بل تغيّر شيئًا أعمق من ذلك بكثير. تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، والأشياء التي نفرح بها، والأشياء التي نخاف منها، وحتى الصورة التي نحملها عن أنفسنا.
في بدايات العمر، نكون أكثر خفة. نصدق بسهولة، ونحلم بلا حساب، ونسير نحو المستقبل بثقة لا نعرف مصدرها. لم نكن نملك كل الإجابات، لكننا كنا نملك شيئًا ربما أهم من الإجابات نفسها… كنا نملك الدهشة.
ثم تبدأ الحياة في تعليمنا دروسها. بعضها ضروري، وبعضها قاسٍ أكثر مما ينبغي. نكتشف أن الناس ليسوا دائمًا كما نظن. وأن النوايا الطيبة لا تكفي وحدها. وأن بعض الطرق تنتهي في غير الاتجاه الذي رسمناه لها.
ومع كل تجربة، يتغير شيء صغير داخلنا.
شيء لا نلاحظه في يومه، لكنه يتراكم ببطء. ومع مرور السنوات، نستيقظ ذات يوم لنكتشف أن الإنسان الذي كنا عليه لم يعد موجودًا بالكامل.
ليست كل التغييرات سيئة. فالنضج يحتاج إلى التغيير، والخبرة تحتاج إلى التجربة. لكن بعض النسخ التي تركناها خلفنا كانت جميلة بطريقة خاصة. كانت أكثر بساطة، وأكثر قدرة على الفرح، وأكثر استعدادًا للمحاولة.
أحيانًا نفتقد أنفسنا القديمة أكثر مما نفتقد بعض الأشخاص.
نفتقد ذلك الإنسان الذي كان يثق في الحياة دون أن يطلب منها ضمانات. الذي كان يبدأ من جديد بسهولة. الذي لم يكن يحمل كل هذا الحذر وكل هذه الحسابات.
لكن الحياة كانت لها حساباتها الخاصة.
في كل مرة اضطررنا فيها إلى التماسك، تركنا جزءًا من عفويتنا. وفي كل مرة تعرضنا فيها لخيبة كبيرة، فقدنا شيئًا من اندفاعنا. وفي كل مرة أقنعنا أنفسنا أن الصمت أفضل من المواجهة، تنازلنا عن جزء صغير من صوتنا.
وهكذا، لم نخسر أحلامًا فقط. بل خسرنا نسخًا كاملة من أنفسنا.
المؤلم أن أحدًا لا يخبرنا بهذا ونحن نعبر الطريق. لا أحد يقول لنا إن النجاة من بعض المعارك ستكلفنا أحيانًا أجزاء من شخصياتنا. وأن الإنسان لا يخرج دائمًا من تجاربه أقوى فقط، بل يخرج مختلفًا أيضًا.
وربما لهذا السبب نشعر أحيانًا بحنين غريب لا نفهمه. ليس حنينًا إلى مكان أو زمان، بل حنين إلى شخص كنا عليه يومًا. شخص كان يعيش الحياة بطريقة مختلفة، ويرى العالم بعينين مختلفتين.
لكن الحقيقة التي تعلمتها متأخرًا هي أن تلك النسخ لم تختفِ تمامًا. هي لا تزال تسكننا بطريقة ما. ربما تغيرت، وربما أرهقتها السنوات، لكنها لم تمت. نحن فقط ابتعدنا عنها وسط الضجيج والمسؤوليات والمعارك اليومية.
لذلك لا تكون الحكمة في البكاء على النسخة التي فقدناها، بل في محاولة استعادة ما كان جميلًا فيها. أن نستعيد قدرتنا على الدهشة، وشجاعتنا في البدايات، وإيماننا بأن الحياة ما زالت تملك أشياء تستحق أن تُعاش.
فالنجاة لا تعني أن نتخلى عن أنفسنا بالكامل.
ولا تعني أن ندفن الإنسان الذي كنا عليه.
بل تعني أن نخرج من الطريق الصعب ومعنا ما يكفي لنكمل، دون أن نفقد كل شيء في أثناء العبور.
وربما كان أحد أثمان النجاة التي لا ننتبه لها، أننا ننشغل كثيرًا بمن أصبحنا عليه، حتى ننسى أن نسأل عن الشخص الذي تركناه خلفنا في منتصف الطريق.
رسالة الفصل:
بعض ما فقدناه في رحلة الحياة لم يكن أشياء أو أشخاصًا، بل نسخًا قديمة من أنفسنا كانت تستحق أن نتذكرها.
تمهيد الفصل القادم:
لكن النسخة التي تغيّرت لم تفقد أحلامها فقط، بل تعلّمت شيئًا آخر…
تعلّمت أن تخفي مشاعرها كي تستطيع الاستمرار.
وهكذا ندخل إلى فصل جديد من أثمان النجاة:
الفصل الرابع
عندما يصبح الصمت وسيلة للبقاء






المزيد
لا تتعجل القلوب بقلم ابن الصعيد الهواري
نَزِيفٌ خَارِجَ المَدَار بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
لا تتوقع كثيرًا بقلم خيرة عبدالكريم