مقامُ الغياب
الكاتب : فلاح كريم العراقي
أطرقُ أبوابَ الليلِ واحدًا تلو الآخر، لا لأنَّ أحدًا سيفتحُ لي، بل لأنَّ قلبي ما زال يرفضُ تصديقَ أنَّ الذين كانوا يملؤون الدنيا ضجيجًا بالحبِّ صاروا أثرًا لا يُرى. أمدُّ يدي إلى الفراغ، فأعودُ محمّلًا بقبضةٍ من الحنين، وأجلسُ عند حافةِ الذكرى كمتسوّلٍ ينتظرُ صدقةً من وجهٍ لن يعود.
منذُ رحيلهم، تغيّرَ شكلُ الأشياء؛ صارَ المساءُ مقبرةً مفتوحةً للأمنيات، وصارَ الليلُ نهرًا من الآهاتِ يعبرُ صدري ولا يصلُ إلى نهاية. حتى النجومُ التي كانت تؤنسُ وحدتي، تعلّمت كيف تُشيحُ بضوئها عن رجلٍ أتعبه الانتظار.
أمشي بين الناسِ كأنني آخرُ الناجينَ من سفينةِ حبٍّ غرقتْ بعيدًا عن الشاطئ. أبتسمُ أحيانًا، لكنَّ ابتسامتي تشبهُ نافذةَ بيتٍ مهجورٍ ما زالت معلّقةً على جدارٍ سقطَ منذ زمن. أحملُ وجوهَهم في دمي، وأحملُ أصواتَهم في نبضي، وكلما حاولتُ نسيانهم، نهضتْ ذاكرتي من رمادها كحريقٍ جديد.
يا لهذا القلب… كم مرّةً كُسرَ حتى صارَ يتقنُ الانكسار؟ وكم مرّةً نادى حتى بحَّ صوتُهُ وصارتْ أصداءُ النداءِ هي الجواب؟ إنَّ الحزنَ حين يستوطنُ الروحَ لا يعودُ دمعةً تُمسَح، بل يصيرُ وطنًا كاملًا من الخراب، تسكنهُ الأشواقُ وتؤذّنُ فيهِ الذكريات.
وحدي… كشجرةٍ هرمةٍ في آخرِ الريح، كمنارةٍ تُضيءُ للغائبينَ طريقَ العودةِ وهي تعرفُ أنهم لن يعودوا، كبابٍ ظلَّ مفتوحًا أعوامًا طويلةً انتظارًا لطرقاتٍ أحبَّها، حتى نسيَ كيف يُغلقُ نفسهُ على الوجع.
ومع ذلك… ما زلتُ أرتّبُ الأماكنَ لأجلهم، وأتركُ في قلبي مقعدًا فارغًا لا يجلسُ عليه أحد، فبعضُ الغيابِ لا يُنسى، لأنَّ أصحابهُ حين رحلوا… أخذوا معهم نصفَ العمر، وتركوا النصفَ الآخرَ يتعلّمُ البكاء.






المزيد
في ذكري اخي بقلم محمود عبدالله
ما خلف كلمة “ما في أي شيءبقلم ابن الصعيد الهواري
الأخلاق.. مفتاح القلوب بقلم ابن الصعيد الهواري