مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

بيت يُبنى قبل أن يكتمل أصحابه

تخيل أنك دخلت بيتًا لا يزال تحت الإنشاء؛ جدران بلا طلاء، أبواب بلا مفاتيح، وسقف غير مكتمل، ثم يقال لك: “عش هنا، وأنجب أطفالك”. أليس هذا ما يحدث بالضبط في الزواج المبكر؟

الشاب أو الشابة لم ينتهيا من بناء أنفسهما بعد، ويُطلب منهما فجأة بناء أسرة. المشكلة ليست في الحب، بل في “التوقيت”؛ فالطفل الذي يأتي لا يسأل عن قصة حبكما، بل يسأل: “هل أنتما جاهزان لي؟”

الأم الصغيرة: طفلة مسؤولة عن طفل

البنت التي تتزوج في سن الخامسة عشرة لا تزال تحتاج من يحضنها، فكيف تمنح الحضن لرضيع؟ هي نفسها لا تزال تخاف الوحدة، فكيف تكون أمانًا لغيرها؟

تُجبر على تعلم كيف تكون زوجة وأماً ومسؤولة، في الوقت الذي كان من المفترض أن تتعلم فيه “كيف تكون هي”، كيف تفهم أحلامها، غضبها، وفرحها. والرضيع لا يفهم الأعذار؛ هو يحتاج قلباً مطمئناً وصوتاً هادئاً، وحين لا يجده، يكبر وفي داخله فراغ لا يملؤه شيء.

الأب الصغير: لقبٌ أثقل من كاهله

والشاب ليس بأحسن حالاً؛ في ليلة واحدة يتحول من ولد يطلب المصروف إلى “رب أسرة” مطالب بالإجابات والحلول. هو لا يزال يبحث عن نفسه، فكيف يعطي الأمان لغيره؟

• يغضب بسرعة: لأنه خائف.

• يغيب كثيراً: لأنه عاجز.

• يقسو أحياناً: لأنه يظن أن هذه هي الرجولة.

وابنه يراه، فيتعلم أن الأب يعني صوتاً عالياً أو باباً يُغلق، ونعيد إنتاج نفس المشهد تحت مسمى “العادات والتقاليد”.

الطفل: السؤال الذي لم يُسأل

الطفل لا يختار موعد ولادته، لكنه يدفع الثمن كاملاً. يدخل مدرسته مشتتاً، يسمع شجاراً لا يفهمه، ويرى أماً تبكي لا يعرف لماذا. يتعلم أن يسكت، أن يخفي مشاعره، وأن “يكبر بسرعة” لأن أحداً ليس متفرغاً له. يكبر وهو يظن أن البيوت كلها صراخ، وأن الأمهات كلهن متعبات، فيكرر الدائرة ذاتها.

الخاتمة: لا تستعجلوا السكن

الزواج ورقة، والأبناء هم الحبر؛ فلا تكتبوا حياتهم بقلم يرتجف، ولا تسكنوا البيوت قبل أن تكتمل جدرانها.

انتظروا حتى تنضجوا، حتى تصبحوا قادرين على العطاء بلا منّة، وعلى الحب بلا خوف. الطفل لا يريد أهلاً صغاراً يركضون معه، بل يريد أهلاً كباراً يحمونه، يفهمونه، ويسبقونه بخطوة.

الطفولة ليست سباقاً، والأبناء ليسوا تجربة.. فأجّلوا البناء حتى يكتمل.