بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري
في الماضي، كانت “الذات” شيئاً خاصاً ينمو بهدوء بعيداً عن الأعين. أما اليوم، فقد ظهرت مرآة جديدة أكثر قسوة وانتشاراً: شاشة الهاتف. مع انتشار وسائل التواصل، لم تعد حياتنا ملكاً لنا وحدنا، بل أصبحت قصة تُعرض وتُقيَّم على مدار الساعة.
الوجوه الثلاثة للإنسان الرقمي
يرى علماء النفس أن إنسان العصر الحالي يعيش بثلاث شخصيات متوازية:
1. الذات الحقيقية: أنت كما أنت، بقلقك وأحلامك وأخطائك التي لا يعرفها أحد؛ تظهر حين تكون وحدك بلا كاميرا ولا جمهور.
2. الذات المثالية: الصورة التي تتمنى الوصول إليها؛ الإنسان الناجح والواثق الذي يمثل بوصلة طموحاتك.
3. الذات الرقمية: النسخة التي نصنعها للإنترنت؛ نختار لها أفضل الصور وأذكى العبارات، وهدفها الأول نيل إعجاب الآخرين.
المكمن الخطر: المشكلة تبدأ عندما تتسع الفجوة بين الشخصية “الحقيقية” والشخصية “الرقمية”.
ثمن الفجوة الكبيرة: “قناع المسرح الدائم”
كلما زاد التناقض بين ما نشعر به وما نظهره، دفعنا ثمناً نفسياً باهظاً. فعندما تنشر ابتسامة وأنت حزين، أو تتحدث عن الثقة وأنت قلق، ينشأ ما يسميه علم النفس “عدم التوافق مع الذات”. نصبح كمن يمثل دوراً على مسرح دائم، نخشى سقوط القناع، مما يؤدي لشعور مزمن بالتوتر والزيف.
لماذا نقع في فخ “الذات الرقمية”؟
• المقارنة الظالمة: نحن نقارن كواليس حياتنا المتعبة بـ “أفضل لقطة” من حياة الآخرين، وهي مقارنة غير عادلة تسرق الرضا.
• هوس الأرقام: ربط القيمة الذاتية بعدد الإعجابات والمتابعين، بينما الحقيقة أن قيمة الإنسان ثابتة لا تزيد بزر ولا تنقص بتعليق.
4 خطوات لاستعادة التوازن مع ذاتك
لسنا مطالبين بترك التكنولوجيا، بل باستخدامها بوعي عبر:
• العزلة الاختيارية: ساعة يومياً بلا هاتف للاستماع لصوتك الداخلي بعيداً عن ضجيج العالم.
• إدراك “خلف الكواليس”: تذكر دائماً أن كل صورة مثالية خلفها تعب لم يُنشر.
• قدسية المساحات الخاصة: مارس هواية لا تصورها، واقرأ كتاباً لا تكتب عنه، وعش لحظاتك العائلية بلا توثيق لتغذي شخصيتك الحقيقية.
• سؤال الصدق: قبل كل “منشور”، اسأل نفسك: “هل أنشر هذا لأني أريده، أم لأني أبحث عن تصفيق الآخرين؟”.
الخلاصة:
الذات القوية في هذا العصر هي التي تعرف متى تظهر على الشاشة، ومتى تعود إلى كينونتها. الراحة النفسية الحقيقية لا تأتي من “اللايكات”، بل من السلام الداخلي الذي تشعر به عندما ينطفئ الهاتف وتواجه نفسك بصدق.






المزيد
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم
عيد العمال: هل أصبح لدينا عمال لنحتفل بهم؟