من أين تُقاد؟
كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر
الكاتب هانى الميهى
الفصل الثالث: الذين يعيشون ليُرَوا
لم يعد الإنسان في هذا العصر
يخاف الفشل فقط…
بل يخاف
أن يمرّ دون أن يلاحظه أحد.
في الماضي،
كان الناس يبحثون عن النجاة،
ثم عن الاستقرار،
ثم عن حياة هادئة تكفيهم.
أما الآن،
فالأمر تغيّر كثيرًا.
أصبح الإنسان يريد
أن يكون مرئيًا طوال الوقت.
أن يُلاحَظ،
ويُقدَّر،
ويُتحدث عنه،
ويشعر أن وجوده
يترك أثرًا واضحًا في العالم.
وهذا في ظاهره
يبدو طبيعيًا جدًا.
فالإنسان بطبيعته
يحب التقدير،
ويأنس بالاهتمام،
ويفرح حين يشعر
أن له قيمة عند الآخرين.
لكن المشكلة تبدأ
حين تتحول الرغبة في التقدير…
إلى احتياج مستمر للاعتراف.
حين يصبح الإنسان
غير قادر على الشعور بقيمته،
إلا إذا رآها منعكسة
في أعين الناس.
وهنا،
لا يعود يعيش حياته كما يشعرها،
بل كما يريدها أن تبدو.
شيئًا فشيئًا،
يتحول جزء كبير من يومه
إلى إدارة للصورة.
كيف يبدو؟
كيف يُنظر إليه؟
هل ما يفعله “كافٍ”؟
هل حقق ما يجعل الناس تحترمه؟
ومع الوقت،
يصبح التقدير الخارجي
أقرب إلى الوقود النفسي.
إذا حضر… شعر أنه بخير.
وإذا غاب…
اهتز من الداخل أكثر مما ينبغي.
ولهذا،
ترى بعض الناس
ينهارون من نقد بسيط،
أو يتغير مزاجهم بالكامل
بسبب تجاهل عابر،
ليس لأن الموقف كبير،
بل لأن قيمتهم الداخلية
هشة بما يكفي
لتتأثر بكل نظرة.
في عالم اليوم،
الأمر لم يعد خفيًا كما كان.
السوشيال ميديا مثلًا،
لم تخلق هذا الاحتياج،
لكنها جعلته يعمل بلا توقف.
أصبح الإنسان يرى نفسه
كما تُقاس الأشياء:
بالأرقام،
والمتابعين،
وردود الأفعال،
والقدرة على جذب الانتباه.
وحتى من يرفضون ذلك ظاهريًا،
كثير منهم ما زالوا ينتظرون
نوعًا آخر من الاعتراف.
اعترافًا بالذكاء،
أو النجاح،
أو الاختلاف،
أو حتى “العمق”.
فالاحتياج لأن تكون مرئيًا
لا يرتبط بالشهرة فقط،
بل بالشعور الداخلي
أن وجودك له وزن.
لكن المشكلة،
أن الإنسان حين يبني قيمته
على رؤية الآخرين له،
يعيش طوال عمره
في حالة تفاوض مرهقة
مع العالم.
يحاول دائمًا
أن يكون مناسبًا بما يكفي،
ناجحًا بما يكفي،
مثيرًا للإعجاب بما يكفي.
وهنا يفقد شيئًا خطيرًا جدًا:
علاقته الحقيقية بنفسه.
لأنه مع الوقت،
لا يعود يسأل:
“ماذا أحب؟”
بل:
“ما الذي يجعلني مقبولًا أكثر؟”
وهكذا،
تتحول الحياة تدريجيًا
إلى عرض مستمر،
حتى لو لم يقف الإنسان
فوق مسرح حقيقي.
الأصعب من ذلك،
أن البعض ينجح فعلًا.
يحصل على التقدير،
ويُنظر إليه بإعجاب،
ويحقق الصورة التي كان يريدها…
ثم يكتشف بعد سنوات،
أن الشعور بالنقص
ما زال كما هو.
لأن المشكلة لم تكن
في قلة الاعتراف الخارجي،
بل في غياب السلام الداخلي.
فالإنسان الذي لا يرى قيمته بوضوح،
لن تكفيه تصفيقات العالم كلها.
سيحتاج المزيد دائمًا،
لأن الفراغ من الداخل
لا يُملأ بالانبهار المؤقت.
ولهذا،
فإن أخطر أنواع الإرهاق،
أن تعيش طوال حياتك
محاولًا إثبات أنك تستحق.
بينما القيمة الحقيقية،
لا تأتي من كونك مرئيًا عند الجميع،
بل من ألا تضطر
لخسارة نفسك
حتى يراك الناس.
رسالة الفصل:
حين ترتبط قيمتك بنظرة الآخرين، تتحول حياتك إلى محاولة مستمرة لإثبات أنك تستحق الوجود.
تمهيد الفصل القادم:
لكن خلف الحاجة للتقدير…
يوجد خوف أعمق بكثير،
الخوف الذي يدفع الإنسان أحيانًا
ليعيش عمره كله
وهو يحاول فقط
ألا يبدو “غير كافٍ”.
من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى






المزيد
الهوى المتكلف بقلم عبير عبد المجيد الخبيري
متاهة الوجع بقلم ميليا عبدالكريم
لا تقسو على نفسك بقلم سها مراد