مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنا لستُ ما حدث لي: كيف تبنين ذاتكِ بعد الصدمات؟

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري (خبير نفسي)

الصدمة ليست نهاية الحكاية؛ إنها سطر سقط في منتصف الرواية، لكن القلم لا يزال بين يديكِ. يظن كثيرون أن ما انكسر في الداخل قد انتهى، وأن “الأنا” التي كانت قبل الأذى قد ماتت ولن تعود. والحقيقة أنكِ ما زلتِ أنتِ، لكنكِ تحتاجين إلى إعادة بناء.

ولتحقيق هذا التعافي والنهوض من جديد، إليكِ خمس ركائز أساسية:

1. اعترفي بالألم بلا تجميل

أول لبنة في البناء هي الصدق؛ قولي لنفسكِ: “لقد تألمتُ، انكسرتُ، وخفتُ”. الإنكار ومحاولة إظهار القوة الزائفة يؤخران الشفاء، بينما الاعتراف الواعي يفتح أول أبواب التعافي.

تذكري دائماً: البكاء ليس ضعفاً، إنه غسلٌ للروح وتفريغ شحنات الحزن المكبوتة.

2. افصلي بين “الحدث” و”ذاتكِ”

ما حدث لكِ لا يعرّفكِ ولا يحدد قيمتكِ؛ أنتِ لستِ “الضحية”، أنتِ “الناجية”. الصدمة حدثٌ خارجي مرّ بكِ، وليست جوهركِ. أنتِ كالثوب الذي اتسخ تحت المطر… تغيرينه وتغسلينه، لكنكِ تبقين في النهاية كما أنتِ.

3. حدودكِ الجديدة هي أمانكِ

بعد الصدمة يصبح القلب حساساً كالزجاج، وهنا تأتي أهمية الحماية؛ من حقكِ تماماً أن تقولي “لا”، من حقكِ أن تبتعدي، ومن حقكِ أن تكتبي شروطكِ الخاصة فيمن يدخل مساحتكِ الشخصية ومن يخرج منها. من يحبكِ ويحترمكِ حقاً سيقدّر حدودكِ الجديدة دون أن يشعركِ بالذنب.

4. صاحبي نفسكِ من جديد

صادقي ذاتكِ واسأليها كل يوم سؤالاً واحداً: “ماذا أحتاج الآن؟”

(كوب شاي دافئ، قسط من النوم، وعي وعناق ذاتي؟) اكتبي، امشي، صلّي ركعتين في جوف الليل وفضّي ما في صدركِ للخالق. الذات تُبنى بالتفاصيل الصغيرة اليومية التي تقولين فيها لنفسكِ: “أنا أستحق الرعاية”.

5. أيقني أن الجبر قادم

⁠{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}⁠.. هذا وعدٌ ربّاني قاطع. كل يوم تصبرين فيه، وكل دمعة كتمتِها، يحوّلها الله إلى درجات، رفعة، وعوض. والعوض الإلهي لا يكون بالضرورة نسخة مطابقة مما فقدتِ، بل يكون أعمق وأجمل لأنكِ صرتِ أكثر نضجاً وقوة.

خاتمة وتأمل:

بناء الذات بعد الصدمة لا يعني أن تعودي تماماً كما كنتِ سابقاً، بل يعني أن تبني نسخة جديدة ومطوّرة منكِ؛ نسخة تعرف قيمتها الحقيقية، وتدرك حدودها بدقة، وتوقن أن الذي قدّر كسرها هو وحده سبحانه القادر على جبرها.

أنتِ لستِ ناقصة.. أنتِ تعلّمتِ. ولستِ ضعيفة.. أنتِ ما زلتِ واقفة على قدميكِ، وهذا الصمود وحده معجزة تستحق الاحتفاء.