مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

فضائل العشر الأوائل من ذي الحجة وعيد الأضحى من منظور علم النفس: الأثر على الفرد والمجتمع

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

تُعدّ العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، وما يتبعها من عيد الأضحى المبارك، محطةً زمنيةً ذات دلالة نفسية وروحية واجتماعية عميقة في وجدان الفرد والمجتمع؛ فهي أيامٌ خصّها الله بفضائل جليلة، قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.

إن هذه الأيام تمثل منظومة نفسية واجتماعية متكاملة تُحدث أثراً ملموساً مستنداً إلى ما تقرره معطيات علم النفس المعاصر حول السلوك الإنساني والصحة النفسية:

أولاً: الأثر على الفرد

1 إعادة الضبط النفسي وتحديد الأهداف:

يستجيب الإنسان بشكل ممتاز للمعالم الزمنية الواضحة. وتشكّل هذه الأيام إطاراً يُفعّل ما يُعرف في علم النفس بـ**”تأثير البداية الجديدة”** (Fresh Start Effect). هذا التأثير يزيد استعداد الفرد لتغيير العادات، ورفع مستوى الانضباط الذاتي؛ حيث يتعامل الدماغ مع البداية المحددة كفرصة لإعادة التهيئة النفسية دون عبء التغيير المفتوح.

2 تعزيز الكفاءة الذاتية وضبط النفس:

يتطلّب الصيام والقيام والذكر إدارةً صارمة للوقت وضبطاً للاندفاعات. نجاح الفرد في هذا الالتزام يعزّز “الكفاءة الذاتية المدركة” (Perceived Self-Efficacy)، وهي اعتقاد الفرد بقدرته على تنفيذ سلوك معيّن، وأهم عامل يتنبأ باستمرارية السلوك الإيجابي بعد انتهاء الموسم.

3 تحقيق التوازن الوجداني وتخفيف الضغوط:

الذكر والتأمل يعملان كآلية تنظيم انفعالي طبيعية تُخفض القلق وتُعزّز مشاعر الطمأنينة. وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، فالربط بين العمل الصالح ومحبة الله يمنح دافعاً داخلياً قوياً يقلل الإحساس بالمشقة.

ثانياً: الأثر على المجتمع

1 التناغم العاطفي الجماعي:

التكبير الجماعي وصلاة العيد يُحدثان في علم النفس الاجتماعي ما يُسمى “التناغم العاطفي الجماعي”، وهو ما يزيد من إفراز هرمون “الأوكسيتوسين” المرتبط بالترابط، ويُقلّل الإحساس بالعزلة، ويُقوّي شعور الانتماء.

2 تفعيل قيم العطاء والتكافل:

تُظهر دراسات علم النفس الإيجابي أن فعل العطاء يُحدث رضاً نفسياً لدى المُعطي يفوق ما يحدثه الأخذ. وتوزيع الأضحية لا يسد حاجة مادية للفقير فحسب، بل يُرمّم شعوره بالكرامة والانتماء، ويُقلّل الفجوة الشعورية بين الطبقات.

3 تجديد الروابط وتخفيف التوتر:

زيارة الأرحام وتبادل التهاني تُقلّلان من مستويات “الكورتيزول” (هرمون التوتر). والدعم الاجتماعي هنا يُعد من أقوى عوامل الوقاية من الاكتئاب وفقاً لـجمعية علم النفس الأمريكية. فالعيد سياق اجتماعي وديني يسهّل الاعتذار والقبول وتجاوز الخلافات.

كيف نستثمر هذه الأيام عملياً؟

 حدد هدفاً واحداً قابلاً للقياس: مثل صيام تسع ذي الحجة، أو ختم جزء من القرآن؛ فالوضوح يزيد الالتزام.

 اصنع بيئة داعمة: اجتمع مع الأسرة على التكبير وجلسات الذكر القصيرة، فالبيئة تُسهّل السلوك وتُقلّل المقاومة النفسية.

 حوّل العطاء إلى عادة: شارك في مشروع أضحية أو زر مريضاً، فالتجربة المباشرة تُثبّت الأثر النفسي.

خاتمة:

من منظور علم النفس، هذا الموسم هو “تدخّل نفسي-اجتماعي” متكامل؛ يمنح الفرد فرصة للمراجعة والتوازن، ويمنح المجتمع التماسك والترابط. تكمن عظمة هذه الأيام في البنية النفسية التي تُنشئها: بنية تقوم على المعنى، والانتماء، والضبط الذاتي، والعطاء، لتصبح نقطة تحوّل حقيقية مستمرة.