مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من أين تُقاد؟ – كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى


من أين تُقاد؟

كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر

الكاتب هانى الميهى

 

الفصل الخامس عشر: الطريق الذي تختاره أنت

 

بعد كل هذه الرحلة…

 

قد يظن الإنسان أن الهدف من الوعي هو أن يصبح كاملًا.


أن يتخلص من خوفه.

وأخطائه.


واحتياجاته.


ونقاط ضعفه.


لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.


فالإنسان لا يتحول إلى نسخة مثالية من نفسه.


ولا يستيقظ يومًا وقد اختفت كل تناقضاته.


ولا يصل إلى مرحلة لا يخطئ فيها أبدًا.


الحكمة ليست في غياب الضعف.


بل في معرفة الضعف حتى لا يقودك.


طوال هذا الكتاب لم نحاول أن نحارب الطبيعة الإنسانية.


بل حاولنا أن نفهمها


فكل ما رأيناه معًا كان جزءًا من الإنسان.


الخوف.


والاحتياج.


والتعلق.


والهروب.


والرغبة في القبول.


والبحث عن الأمان.


كلها أشياء طبيعية.


لكنها تصبح خطيرة حين تمسك بالمقود.


حين تتحول من مشاعر إلى قادة.


ومن احتياجات إلى سجون.


ومن تجارب إلى مصير.


ولهذا…

فإن أعظم ما يمكن أن يربحه الإنسان ليس القوة.


ولا النجاح.


ولا النفوذ.


بل الوعي.


أن يعرف نفسه قبل أن يحكم عليها.


وأن يفهم دوافعه قبل أن يبررها.


وأن يراجع اختياراته قبل أن يعتادها.

فالإنسان لا يضيع غالبًا في اللحظات الكبرى.

بل يضيع في الطرق الصغيرة التي يمشيها كل يوم دون انتباه.

قرار هنا.


وتنازل هناك.

وخوف لم يواجهه.

وجرح لم يفهمه.


حتى يجد نفسه بعد سنوات في مكان لم يقصد الوصول إليه.


ولهذا…

فإن الطريق الحقيقي لا يبدأ من الخارج.


بل من الداخل.


من سؤال بسيط جدًا:

لماذا أفعل ما أفعل؟


لماذا أختار هذا الطريق؟


ولماذا أرفض ذلك الطريق؟


ومن الذي يتكلم داخلي الآن؟


الخوف؟


أم الحكمة؟


الاحتياج؟


أم القناعة؟


الهروب؟


أم الرغبة الصادقة؟


هذه الأسئلة قد لا تجعل الحياة أسهل.


لكنها تجعلها أوضح.


والإنسان يستطيع احتمال أشياء كثيرة حين يرى الطريق بوضوح.


في نهاية الأمر…

لن تستطيع أن تمنع العالم من التأثير عليك.


ولن تستطيع أن تمنع الحياة من اختبارك.

ولن تستطيع أن تمنع الخسارة أو الفقد أو التغير.


لكنك تستطيع شيئًا واحدًا.

أن تختار كيف تستجيب.


أن تختار من يقود.


أن تختار أي صوت تمنحه السلطة.


وهذه هي الحرية الحقيقية.


ليست حرية أن تفعل كل ما تريد.


بل حرية ألا تصبح أسيرًا لكل ما تشعر به.


فالإنسان الناضج لا يعيش بلا مشاعر.


بل يعيش دون أن تحكمه مشاعره وحدها.


ولا يعيش بلا خوف.


بل يتعلم كيف يسير رغم خوفه.


ولا يعيش بلا احتياج.


بل يعرف حدوده فلا يبيعه نفسه.


وفي النهاية…

لن تكون حياتك مجموعة الأحداث التي مرت بك.

بل مجموعة الاختيارات التي صنعتها أثناء مرورها.


ولهذا…

حين تنظر إلى الطريق خلفك يومًا ما،

أتمنى أن تقول:


لم تكن كل قراراتي صحيحة.


ولم تكن كل خطواتي مثالية.

لكنني عشت بوعي.

وفهمت نفسي أكثر.


ولم أترك المقود طويلًا في يد شيء لا أراه.

فالحياة ليست رحلة بحث عن الكمال.


بل رحلة بحث عن الصدق.

والإنسان لا يحتاج أن يصبح شخصًا آخر.

يكفي أحيانًا أن يعود إلى نفسه…

ويختار طريقه بنفسه.


رسالة الفصل:

ليس السؤال الأهم في الحياة: إلى أين تذهب؟

بل: من الذي يقودك وأنت ذاهب؟


نهاية الكتاب

كل إنسان تُقاد حياته بشيء…

أما الوعي، فهو أن تعرف ما هو هذا الشيء، وأن تختار إن كان يستحق أن يبقى خلف المقود أم لا.